مهزلة ديموقراطية دونالد ترامب .. بقلم: بابكر عباس الأمين

السودان اليوم

أعجبني مقال ساخر، وأضحكني بصوت عال، رغم أني كنت في مكتبة عامة حيث لا يجوز الضحك، وأحببت أن أشارككم في طرفته. المقالة نُشرت في “لندن ريفيو وف بوكس” للكاتب الأمريكي إليوت وينبيرغر، بعنوان “عشرة أيام نموذجية في أمريكة ترامب”. ووينبيرغر كاتب راتب في الأدب والسياسة، ومُحرّر وناقد للسياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، علاوة علي أنه مترجم ماهر نقل للإنكليزية الأدبين الصيني والإسباني، ونال عدة جوائز. ولا يفسد متعة المقال كونه تطرق للسجال الذي دار بين ساسة الحزبين الرئيسيين قُبيل الانتخابات النصفية الأخيرة لمجلس النواب “كونغرس”. أمر ثان يعالجه المقال، هو حدث شغل قسط عظيم من الرأي العام الأمريكي عموماً، والمنظمات النسوية علي نحو أخص، هو تعيين دونالد ترامب لبريت كافانو كقاضٍ للمحكمة العليا، رغم ظهور امرأتين ذكرتا أنه قد تحرش بهما جنسياً أثناء زمالته لهما في المدرسة الثانوية. (الرئيس قال أن تلك الاتهامات كان يفترض أن تُثار في ذات الفترة التي حدث فيها التحرش). فإلى مقتطفات منه:

في تكساس، خاطب تيد كروز، وهو عضو مجلس الشيوخ (جمهوري) وخاض الانتخابات الأولية للرئاسة في 2016، خاطب جمهور الولاية يحذره أنه في حالة فوز منافسه الديمقراطي بيتوا ورويك (من التقدميين)، وحصل الحزب الديمقراطي علي أغلبية، فإنه سيحظر شواء اللحم! (وهذا مؤسس علي افتراض سائد لدي البعض أن اليساريين نباتيون). يُذكر أنه أثناء الانتخابات الأولية للرئاسة عام 2016 أن كروز قال عن دونالد ترامب: إنه مصاب بداء الكذب الباثولوجي ولا أخلاق له. وكان ذلك رداً علي ترامب حين قال أن والد كروز كان مساهماً مساهمة مباشرة في اغتيال جون كيندي، وأن زوجته، أي كروز، أقبح بكثير من زوجته ملينيا، ونشر صوراً تجمعهما الاثنتان لكي يقارن الناس بينهما. الآن يدعو كروز الرئيس للحضور لتكساس لدعمه في الانتخابات!

في نيوجيرسي، تعرض بيت كادر للحزب الديمقراطي ينشط ضمن حملة عضو “كونغرس” جوش غوتيمر للتشويه، بالكتابة علي جدرانه شعار “أمريكا أولاً” وصلبان معقوفة. فكتب منافسه الجمهوري جون ماكان في “فيسبوك”: مثل هذا السلوك يحدث عندما يقوم زعماء الحزب الديمقراطي، كنانسي بيلوسي وماكسين وترز بنشر ثقافة الكراهية! (الاثنتان من أكثر الديمقراطيين احتراماً وأطولهم خبرة سياسية وبُعد نظر، إذ عارضتا غزو العراق في 2003، وعارضتا حصار كوبا، وعارضتا ترشح دونالد ترامب. الأولي كانت المتحدث باسم مجلس النواب بين 2007 – 2011، وبصدد أن تعتلي المنصب ذاته بعد حصول الديمقراطيين علي أغلبية في الغرفة السفلي في “كونغرس”). أما الذي نشر ثقافة الكراهية فهو معروف!

في ولاية كلفورنيا، أعلن دنكان هنتر (جمهوري) وكان أول اثنين في “كونغرس” يؤيد ترامب لخوض انتخابات الرئاسة عام 2015، في لقاءات تلفزيونية وإعلانات مدفوعة في الصحف أن منافسه الديمقراطي عمار نجار قد سُمي علي ياسر عرفات، وأنه مدعوم بجماعة الإخوان المسلمين في محاولة للإسلامين لاختراق “كونغرس”. صحيح أن نجار ذو أصل فلسطيني، غير أن المعروف عنه أنه نصراني ملتزم بصلواته ونشاطه في الكنيسة.

دبورا راميرز إحدي اللتين تحرش بهما كافانو، عندما كانت زميلته في جامعة ييل. فانبري علي الفور أورين هاتش، عضو مجلس الشيوخ (جمهوري)، ليفند ما قالت، ووصفه بأنه “مختلق”. ولما سئل لماذا يظن أنه هكذا، أجاب: لأنني أعلم ذلك، لذا قلت ما قلت! أما فرانكلين غراهام، جمهوري من الجماعات الإنجيلية، فقد قدّم تفسيراً يقبله العقل والمنطق: بما أن كافانو قد تحرش بفورد جنسياً ولامس جسمها فقط، ثم توقف ولم يغتصبها، فهذا دليل علي نبل شخصيته!

اثناء اللغط الذي دار بشأن تعيين القاضي كافانو، ذكر (دكتور) بن كارسون، وزير المساكن والتنمية الحضرية، مخاطباً مؤتمراً لمنظمة مجتمع مدني إنجيلية، أن الاتهامات التي طفحت ضد كافانو مصدرها الجمعية الفبيانية: إنها لا تحب أمريكا وما تمثله، وتعمل علي تغيير النظام القائم، وذلك من خلال السيطرة علي وسائل الإعلام والنظام التعليمي والقضاء. والثابت أن آخر نشاط للفبيانية المُفتري عليها في أمريكا كان عام 1905. إلا أنها قد ظهرت مؤخراً ككبش فداء لدي جماعات اليمين المتطرف التي تؤسس خطابها علي نظرية المؤامرة. جدير بالإشارة أن دكتور كارسون سبق أن ذكر أن الشيطان قد ولج قلب شارلس داروين، وسوس له بنظرية النشوء ليدحض كلمة الله!

حسب التقاليد والأعراف المُتبعة، أن القضاة لاسيما علي مستوي أعلي جهاز قضائي في الولايات المتحدة، المحكمة العليا، يسمون فوق السياسة والتحزب، وينأون بأنفسهم عن وسائل الإعلام. إلا أن كافانو، قد أُستضيف في قناة “فوكس نيوز” في حوار تحوّل فيه من قاضٍ لناخب نمطي من ناخبي ترامب: الرجل الأبيض الضحية، وصوّب اللوم علي اليسار والديقراطيين. فقال: كل هذه الحملة التي استهدفتني كانت محسوبة كضربة سياسية، انتقام نيابة عن أسرة كلنتون، وملايين الدولارات التي أنفقتها جماعات اليسار المعارضة، هذا مجرد سيرك!

معروف أن الممثل الكوميدي بل كوسبي قد حُكم عليه بالسجن لعدة سنوات، في قضية اغتصاب امرأة. وبمرور الزمن وبظهور عدد من زملاء ومعارف وأصدقاء قدامي للقاضي برت كافانو، أدلوا بقصص مثيرة عن حفلات شراب ومجون وتحرش جنسي وحتي اغتصاب جماعي، شهدوها معه وذكروا أنه كان ذو شخصية عدوانية، يشاجر في الملاهي. فقام عضو مجلس الشيوخ الجمهوري لندسي غراهام بالدفاع عنه قائلاً: هو ليس بل كوسبي!

الثابت من عدة مصادر موثوقة، كما هو مذكور في الفقرة السابقة، أن كافانو كان يتعاطى الكحول بإسراف. جورج بوش الابن كان صريحاً، حين قال أنه شرب الويسكي بنهم، ولهث وراء فروج النساء بشغف، قبل أن يجد الله، ثم ختم حديثه: عندما كنت شاباً وغير مسؤول، كنت شاباً غير مسؤول! ولو تحلّي كافاو بذات الشجاعة، وكان صريحاً وذكر الحقائق مثله، لضمن إجراءات توكيده للمنصب بسهولة!

معلوم أن قناة “فوكس نيوز” هي المنبر الإعلامي الوحيد الذي يثق فيه ويحبه الرئيس الأمريكي. وصفت هذه القناة إحدي اللتين تحرش بهما كافانو، وهي بروفيسر في علم النفس، بأنها “وغدة” تعتقد في كل شيء وهمي تقوله، هذه إحدي علامات الجنون. أما جينين برو، عن تلك القناة، وأحد المعجبين بترامب وتستضيفه باستمرار، جاءت بنظرية جديدة مفادها أن تلك المرأة قد قام الديمقراطيون بإخضاعها للتنويم المغنطيسي، وغرس هذه القصة المصطنعة في وعيها ودماغها!

في إعلان تلفزيوني نادر، أعلن ستة إخوة لبول غوسار، عضو “كونغرس” جمهوري عن ولاية أريزونا، عن دعمهم لمنافسه عن الحزب الديمقراطي ديفيد برل (تقدمي). ورداً علي ذلك، غرّد غوسار علي “تويتر”: مثل اليساريين في كل مكان، فهم يضعون الآيدلوجيا فوق الأسرة، جوزيف ستالين سيفاخر بهم لو كان حيا!

وأخيراً، وليس آخر، نجمة الإباحية الشهيرة ستورمي دانيال، قدّمت وصف تفصيلي عن عضو دونالد ترامب التناسلي. ورغم أن هذا الأخير قد تباهي بحجم جهازه، اثناء الجدال الذي دار في السباق الرئاسي، وفي حملاته الانتخابية، إلا أنها، وحسب خبرتها الاحترافية الغزيرة، قد فندت هذا الزعم وهي تقهقه ضاحكة حتي بدت نواجذها!

≠ ≠ ≠ ≠ ≠ ≠

ألا يوجد وجه شبه بين أسلوب هؤلاء (باستثناء الأخيرة، كونها، غير الذكر، لم تصدر من سياسي) وبين أسلوب الإنقاذيين؟

وماذا يعني الفرق أن هذا يدور في مناخ ديمقراطي وذاك في دكتاتوري؟ الابتذال واحد لا يتجزأ!

وهل الخلل في ترامب، أم في النظام الأمريكي الذي يسمح لشخص جلف وجاهل مثله برئاسة “الأمة المُستثناة” و”زعيمة العالم الحر؟”

________________________________________

Eliot Weinberger, Ten Typical Days in Trump’s America, London Review of Books, vol. 40, no. 20. 25 October 2018.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق