من أجمل لحظات العمر 2019

انت صدمةً عنيفة بالنسبة لي، ومفاجأةً لم أكن أتوقعُها، بل لم تخطر لي على بال!
تعالت ضحكاتُ الطالبات، وعلا صخبهنَّ بينما كنت أؤدي الصلاة في قاعة الدرس في أثناء الفرصة،
وتناهى إلى سمعي بعضُ (النكت) السمجة والتعليقات الساخرة!

بعد أن فرغت من صلاتي رمقت الفتيات اللاتي كن بجواري بنظرة عتابٍ ممزوجة بشيءٍ من الغضب!
لم يكترثن بالأمر، وأخذن يتغامزن فيما بينهنَّ، وتقدَّمت إحداهنَّ مني قائلة:

– تقبَّل الله يا شيخة! لا تنسينا من دعائك!

عبارة ممزوجة بالتهكم والاستهزاء، شعرت بالمرارة تقطِّع نياط قلبي،
لكنِّي كظمت غيظي، وخرجت من الصف، والدهشة تتملكني:
هل أنا في بلد يهودٍ أو نصارى؟ وحتى هؤلاء لا يصدر عنهم مثلُ هذا التصرف!
لكنَّ الذي أعرفه أنَّ هذه البلدة التي كُلِّفتُ بالتدريس فيها أهلها مسلمون،
وهؤلاء البنات اللاتي يسخرن منِّي ويهزأن بصلاتي مسلمات!
فكيف يهزأن بالصلاة؟ وهل هناك مسلمٌ أو مسلمةٌ تفعل ذلك!؟

كذَّبت نفسي وقلت: لا بأس عليَّ أصبرُ وأحتسبُ! لعلِّي أسأت الظنَّ بالبنات، وربما ضحكن لأمرٍ ما بينهنَّ!

لكنَّ الأمر تكرر، وتأكَّد لي ظنِّي الذي ظننت، بيد أني واظبت على صلاتي في قاعة الدرس، لا يثنيني عنها شيء، بل ازددتُ إصراراً وتمسكاً بها.

وفي صدر الأسبوع التالي، استدعتني مديرة المدرسة، وبادرتني قائلة:

– بلغني أنك تؤدين الصلاة في قاعة الدرس، هذا ممنوع يا أستاذة،
نحن في مؤسسة رسمية، ولسنا في مسجد! لماذا لا تؤجلين صلاتك إلى بيتك؟

هكذا كلمتني بغضب وعصبية..

لم أصدِّق أذنيَّ!…

قلت لها بهدوء:

– لكن الوقت يدركني، وأنا في المدرسة، ولو أخَّرت الصلاة، لخرج وقتها،
وقد قال الله – تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ [النساء: 103]
ثمَّ ما الضرر الحاصل من صلاتي ها هنا، فأنا أصلي في الفرصة،
ولا أضيِّع شيئاً من وقت الحصة الدراسية؟!

أجابتني بتلطف:

– نحن في غنى عن المشاكل ووجع الرأس!

رجعت إلى بيتي وأنا في ضيقٍ شديدٍ وحيرةٍ من أمري،
أأتركُ صلاتي لمرضاة إدارة المدرسة وتخلصاً مما ألاقيه من سخرية وأذى؟!

نصحتني أمي بالصبر وسعة الصدر، وألا أدع صلاتي لشيء مهما كانت الظروف!
غير أنها أشارت عليَّ برأي،

قالت لي:

– لا تصلي في قاعة الدرس، لكن أرى أن تؤدي صلاتك في صالة استراحة الطالبات!

– لكنَّ البنات يسخرن منِّي، وهناك يكون أكثر اجتماعهن، وفيها مطعم المدرسة.
– هذا ما أردت، واصبري واحتسبي، وسيجعل الله بعد عسرٍ يسراً!
وما يدريك لعل الله – سبحانه – يفتح بك قلوباً غلفاً، ويهدي على يديك بعض هؤلاء البنات.

حملتُ سجادة أنيقة للصلاة، ومضيت إلى صالة استراحة الطالبات،
واخترتُ ركناً هادئاً فيها،
واتخذته مصلى أديّت صلاتي بسكينة وخشوع على مرأى من جميع البنات.

حملقن بي مستغرباتٍ مستنكرات، لكنني لم أعر ذلك اهتماماً،
وغادرتُ المطعم وهنَّ مستغرقات في ضحك وصفير!

ومرَّت الأيام وأنا مواظبة على صلاتي، وتوثقت علاقاتي بالطالبات،
ونمت بيننا الألفةُ والمودة،
وكنت شديدة الحرص على تقوية علاقاتي بمن حولي وخاصَّةً مديرة المدرسة،
لأكسب ودهنَّ والتأثير فيهن.

بعد منصرفي ذات مرة من صلاتي ألقت عليَّ طالبةٌ التحيةَ، وأسرَّت إليَّ قائلة:

– أنا أصلي في البيت، وأحبُّ صلاتي، لكنِّي أستحيي منها هنا في المدرسة،
وأخشى من مضايقة الطالبات لي، وغالبيتهن لا يصلين، ويجهلن أمور دينهن،
وددت لو أملك مثل شجاعتك وجرأتك!

قلت لها:

– الحياء يكون بحفظ فرائض الله وعدم تضييعها، وما أظنُّ الشجاعة تنقصك!

في اليوم التالي، وبعد أن دخلت في الصلاة أحسست بطالبة تقف بجانبي، وتقتدي بي!
امتلأت بالفرح ومشاعر النصر، واغرورقت عيناي بالدموع،

وكانت من أجمل اللحظات في حياتي!

ثمَّ لم تمض إلا أيامٌ معدودات حتى زاد عدد جماعة الصلاة من الطالبات وبعض المعلمات.

وكان كثيرٌ منهنَّ من المهتديات الجدد اللائي لم يصلين من قبل لله – تعالى -ركعة واحدة!

الوسوم
عزيزي الزائر اذا كان لديك اي سؤال او اي استفسار يمكنك مراسلتنا عبر رقم الواتساب 0993817568

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق