الإثنين , ديسمبر 11 2017
الرئيسية / 0 القسم الإسلامى عامر / مفهوم الدعوة , رحلة التوحيد , الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

مفهوم الدعوة , رحلة التوحيد , الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي

عناصر مفهوم الدعوة (رحلة التوحيد)
1 – جذور الدعوة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد إمام المتقين، والهادي بإذن الله إلى صراط رب العالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، الذين حملوا دعوته إلى العالمين وبلغوها، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعــد:
لله الفضل والحمد والمنة نشكره تبارك وتعالى أولاً وآخراً على ما يسَّر به من طرح هذا الموضوع، ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يكتب لنا الأجر، وأن يجعلنا من الذاكرين الله تعالى كثيراً إنه سميع مجيب.
قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا }، وقبيلة زهران -والحمد لله- قبيلة كريمة أصيلة، لها في الجاهلية قبل الإسلام مجد عريض، وتاريخ تليد، وذلك مسطور ومعلوم ومشهور في دواوين التاريخ.
ثم بعث الله تبارك وتعالى عبده ورسوله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي أخرج الله به العالمين من الظلمات إلى النور، فكان لهذه القبيلة باع في السبق إلى الدعوة، والاستجابة إلى الإيمان، والقيام بواجب الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وحمل هذه الأمانة، حتى سطر لنا التاريخ تلك الشخصيات، وتلك السير التي كتبت، من العلماء، والفقهاء، والعباد، ومن المؤرخين، والشعراء، وكلهم -والحمد لله- ينتمون إلى هذا المعدن الطيب من معادن الخير.
وما زال أبناء هذه القبيلة سائرين على الطريق والمنهج نفسه، وفي معرفة قيمة الدعوة إلى الله وقدرها ومنـزلتها وإجلالها وحمل أمانتها والقيام بأعبائها، فهم قد ورثوا مجد أجدادهم في هذا الزمن الذي بدأت فيه الصحوة الإسلامية تدخل كل بيت، وتطرق كل باب، حتى جاءت من وراء البحار كما جاءت من هذه الديار، وبدأنا نرى بواكير الخير، وتباشير النصر تلوح في الأفق، وبدأ دعاة الرذيلة والفساد والانحلال والفجور يندحرون ويرتعدون، لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خاذلهم، وإذا قام أهل الحق فقد كتب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى النصر والتأييد لهم:إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ِ [غافر:51-52]، وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:105-107] فهذه بشرى من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بدأت تلوح في أفق الدعوة، وهي قيام هذا الدين من جديد، وتجديده على أيدي أولئك الدعاة الذين يخرجون لا يريدون من الناس مالاً ولا جاهاً ولا دنيا ولا أعراضاً فانيةً زائلةً، وإنما يريدون منهم أن يهتدوا إلى صراط الله، وأن يستضيئوا بنور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما جاء به من الكتاب والحكمة والنبوة والهدى، وأن يقتفوا نهج السلف الصالح في العلم والعبادة والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه الصحوة والتباشير وهذه الدعوة القائمة في كل مكان، لا يجوز لمن كان أجداده حملة الرسالة الأولى ودعاة الخير والحق، ولمن كانت له تلك الأصالة وذلك الشرف وكرم المحفد، أن يتأخر وأن يتراجع عنها، ولهذا أملنا -وهو إن شاء الله حق وواقع- أن أبناء قبيلة زهران، المعروفة في التاريخ قديمه وحديثه أن يكون لهم -بإذن الله تعالى- قصب السبق في حمل لواء الدعوة إلى الله، وفي معرفة قدرها، وفي بذلها للناس، وفي الصبر على كيد أعداءها.
لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يصطفي من خلقه من يشاء، ويصطفي لدعوته من يشاء، والدعوة إنما هي اتباع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتباع لمنهجه، كما قال تبارك وتعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين َ [يوسف:108] فمن اتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن ادَّعى اتباعه يلزمه أن يصدق ذلك باتباعه في دعوته، وبسيره على منهجه وعلى طريقته في الدعوة إلى الله، فما كان شأنه وما كان عمله وما كانت وظيفته ومهمته في الحياة إلا الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فجاهد، ودعا وأوذي من أجلها وصبر واحتسب حتى بلغ رسالة الله، وأظهر الله تبارك وتعالى هذا الدين على العالمين، وعلى الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، فلله الحمد والفضل والمنة على ذلك.
2 – المخرج من الأزمة الحالية يكون بالدعوة إلى الله تعالى

ولقد غشيت القلوب غشاوات، وللتأريخ فترات وجولات، فقد مرت فترة أو مرحلة كان الناس فيها في الجهالة، ثم أيقظ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذه الأمة بدعوة الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ، ثم وقعت الغفوة -أيضاً- مرة أو مرات، ثم كانت الغشاوة الأخيرة، التي عانينا منها جميعاً في كل مكان، الغشاوة التي كانت كما قال عنها السلف الصالح : ‘حب الدنيا رأس كل خطيئة’ والانفتاح على الدنيا التي تدفقت علينا من فوق البحار، والنعمة التي فتحت، وزهرة الحياة الدنيا حتى كان هناك من يحق فيهم قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون َ [يونس:7].
فقد تأثر كثير من الناس بهذه النعمة وهذا الترف، وأرادوا أن يأخذوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، وقد أقسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وهو البر الرحيم الشفيق بالمؤمنين- بقوله: {والله ما الفقر أخشى عليكم } وقد مرت هذه البلاد وهذه المناطق -جميعاً- بقرون من الفقر، ومع ذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم } وقد وقع هذا في هذه الأمة.
وهذا الترف الذي وقع في الأمة في السنوات الماضية وبدأنا نرجع قليلاً قليلاً إلى نوع من الوعي والاستقرار والطمأنينة بعد سنوات الطفرة والضياع والفراغ أدّى إلى أن يشتكي العامة والخاصة مما حدث لأصالتنا ولعاداتنا الطيبة ولما هو أعظم من ذلك وهو: إيماننا وتقوانا ومعرفتنا بربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، واستقامتنا على منهج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإذا بنا جميعاً نقول: ما الحل، وما المخرج؟
فيأتي الحل والمخرج بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو الدعوة إلى الله.
إن الدعوة إلى الله هي الغيث، فمهما أجدبت الأرض وأمحلت إذا أغاثها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تعود وتزهر وتنبت من كل زوج بهيج.
الدعوة هي الحياة

الدعوة إلى الله هي الحياة، كما أن ترك الدعوة أو ضعفها هو الموت أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] فقد أحيا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهذا القرآن وبهذه الدعوة قلوب الصحابة الكرام، وقلوب العرب بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ونحن اليوم نحتاج إلى ذلك العلاج، ونحتاج إلى تلك الحياة، ويجب علينا أن نعلم أن الدعوة إلى الله هي الحياة، وأنه لا حياة لنا بغير الدعوة إلى الله ولا عز لنا بغير الإيمان بالله، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كتب العزة لمن أطاعه، وكتب الذل لمن عصاه، فأبى الله إلا أن يذل من عصاه، مهما كان ومهما بلغ من القوة والجاه.
فإذا أردنا العزة في الدنيا وفي الآخرة، وإذا أردنا المجد في الدارين، وإذا أردنا أن ننال رضا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فعلينا بالدعوة إلى الله، وأن نحب الدعاة إلى الله، وأن نسمع للدعاة إلى الله، وأن نتبصر بما يبصرنا به من يدعونا إلى الله، وأن نعلم أن هذه الدعوة هي روحنا وحياتنا وهي الغاية العظمى من وجودنا واختصاصنا بأننا أمة الإسلام كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
ماذا يريد الدعاة إلى الله

ولننظر إلى هؤلاء الدعاة ماذا يريدون منا وماذا يطلبون: أطلبوا منا مالاً؟
أطلبوا منا دنيا؟
أطلبوا منا جاهاً؟
لا والله، بل من الناس ومن الجهال من ينهش في أعراضهم، ويعتدي عليهم بأنواع من الأذى والسب، وهناك من لا يطيق رؤيتهم، ومن يبغضهم ويكرههم، ومع ذلك لو اهتدى أعدى عدو للدعوة واستقام، وعرف الله وصلَّى وصام وحج البيت الحرام وعف عما حرم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن الدعاة يحبونه أشد الحب، وينسون كل ما قد أسلف فيهم من الأذى ومن الشر ومن الزور ومن البهتان، مع أنه لم يسترضهم كما يرضي أهل الدنيا بعضهم بعضاً بالمال، أو بما تحكم به القبيلة أو أي أحد، فهم لا يطمعون إلا في أن يهتدي، وهدايته وطاعته لنفسه، وخير ذلك واستقامته له في ذاته.
فهم لا يريدون منه شيئاً ولكن يريدون الأجر من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يريدون أن يعرف طريق الله، ولا يريدون لمسلم أن يعصي الله، كما قال بعض السلف : ‘وددت لو أن جسمي قد قرض بالمقاريض وأن أحداً لم يعص الله عز وجل’.
يحبون الله ويحبون أن يطاع الله، يحبون أن يسير الخلق في طريق الجنة ولا يسلكون طريق النار، يحبون ألا يدخل النار ولا يسلك طريق أهلها من هذه الأمة أحد، وخاصة من كان من أهلهم، أو عشيرتهم أو ذويهم، لا يحبون لهم إلا الخير، ومع ذلك يصبرون على أذاهم ويقولون كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون } ويتحملون ذلك الأذى ثم لا يطمعون من الناس في شيء، بل هم يستبشرون بوعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لهم وبما أخبر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم }.
فهم يستبشرون بما بشر الله به عباده الصالحين، وأثنى به عليهم، كما في قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] يقول الحسن البصري رحمه الله: [[هذا ولي الله، هذا حبيب الله، هذا صفي الله ]].
والناس كلهم يقولون ويتكلمون ويتجمهرون ويتجمعون، ويقيمون الحفلات، ويحضرون جموعاً غفيرة، ولكن شتان بين جمع وجمع، شتان بين من يجتمعون على ذكر الله فينفضون وقد غفر لهم حتى لو كان شقياً كما في الحديث، تقول الملائكة: {يا رب! إن فيهم فلان ليس منهم ولكن جاء فدخل فيهم، فيقول الله تبارك وتعالى: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، قد غفرت له معهم }.
فشتان بين هؤلاء وبين من يجتمعون على الإثم والخطيئة، ويتفرقون تفرقاً غير معصوم عن الإثم والخطيئة، وعن ذكر نهش الأعراض، وعن ذكر ما يثير الغرائز أو الفواحش أو النعرات أو الشحناء أو البغضاء بين المسلمين أو بين قبائلهم أو بين قراهم أو بين أفرادهم وكل ذلك مما حرم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فكل الناس يتكلمون وميزة الناس هي هذا اللسان الذي علَّمنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به البيان وجعلنا ننطق به، لكن: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت:33] يدعو إلى من؟
يدعو إلى الله، نحن لا ندعو إلى بشر كائناً من كان، وهل هناك بشر أفضل وأعظم وأعلى قدراً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
لا والله، ومع ذلك فنحن لا نقول: إننا دعاة إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن نقول: ندعو إلى الله؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما كان يدعو إلى الله، فنحن لا ندعو إلى إنسان كائناً من كان، فالدعاة جميعاً لا يدعون إلى أنفسهم، ولا يريدون من الناس أن يقتدوا بهم، ولكن يريدون أن يعرف الناس ربهم وأن يقتدوا برسولهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فأي قوم أحق وأولى بأن نفرح بهم من الدعاة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟
وأي عمل أجدر وأولى بأن نسر ونفرح ونسعد به من الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟
وهي بهذه المنزلة، وأهلها بهذه المثابة عند الله عز وجل.
حال العرب قبل الدعوة وبعدها