مصنع دواء.. أم أحذية؟.. بقلم عثمان ميرغني

السودان اليوم:

سؤال حيوي.. أيهما أجدر أن يكون في صدارة اهتمامنا القومي.. (توطين صناعة الدواء) في السودان أم (توطين صناعة الأحذية)؟

بدعوة كريمة من رئيس الوزراء السيد معتز موسى شاركنا في جلسة الأحد الماضي.. كان البند الرئيسي في الاجتماع (توطين صناعة الدواء).. من واقع المعلومات التي عُرضت أمامنا السودان يستورد كل المواد الخام لصناعة الدواء.. فحسب الدكتور أحمد بدوي صاحب ومؤسس مصنع “أميفارما” المعروف.. فإن دولتين أو ثلاثة عالمياً تحتكر المواد المستخدمة في صناعة غالبية الأدوية.. ولكن الأمر هنا في السودان لا يقف عند هذا الحد، بل حتى مواد التغليف و”الفتايل” تستورد من الخارج.. في المقابل تقريباً جميع مكونات صناعة الأحذية تنتج محلياً داخل السودان.. ولنا فيها ميزة تفضيلية كون الجلود السودانية تنفرد بخواص عالية القيمة.. فلماذا ننافس الآخرين في صناعة الدواء، بينما في يدنا أن نبزهم في صناعات أخرى نملك كل مقوماتها ونستطيع أن نحقق فيها عائداً مالياً أكبر؟.. قارن بين ثمن علبة دواء والحذاء.. الإنسان يحتاج للدواء في وضع الطوارئ عند المرض.. بينما يحتاج للحذاء في كل الأوقات.. وأصناف الدواء كثيرة لا يمكننا الإيفاء بها كلها، لكن أصناف الأحذية محدودة ونستطيع أن ننتجها كلها..

ثم.. وهو الأهم..

كم ننفق سنوياً في استيراد الدواء؟ وكم ننفق في العلاج بالخارج؟ أيهما أولى أن نوفر مليارات الدولارات في العلاج في الخارج؟ أم حوالى 400 مليون دولار سنوياً هي كل تكلفة استيراد الدواء؟.

المرضى السودانيون يشكلون موارد مالية ضخمة لدول عديدة مصر والأردن والإمارات والسعودية والهند وتايلاند وروسيا وتركيا والدول الأوروبية وأمريكا نفسها.. خطوط طيران كاملة تعتمد في تشغيلها على أفواج المرضى السودانيين.. أيهما أجدى اقتصادياً.. توطين العلاج أم صناعة الدواء؟.

السبب الرئيسي الذي دعا الحكومة لإثارة قضية (توطين صناعة الدواء) هو شح العملات الصعبة.. فيضعف الجنيه وتزداد أسعار الدواء محلياً لدرجة تهدد قدرة المريض في الحصول على الدواء المناسب في الوقت المناسب.. فهي إذاً مشكلة (عملة صعبة) وليست مشكلة (دواء مستورد) فلو توفرت العملة الصعبة وبسعر صرف متيسر (كما كان في الماضي 2.7 جنيهاً للدولار) فلن تفكر الدولة في (توطين العلاج).

وطالما المشكلة في العملة الصعبة فإن الحكمة تقتضي البحث عن مصادر للعملة الصعبة فتكون الأولوية لما يحقق أعلى موارد منها.. فإذا كان تصدير الأحذية يدر على السودان أموالاً أكبر.. تكون الأولوية لتمويل صناعة الأحذية لا صناعة الدواء..

هذا المنطق يفترض أن يأتي من جهة مركزية للتخطيط الاستراتيجي في البلاد تتقن فن الأولويات.. لكن بكل أسف “المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي” المنوط به ذلك هو مجرد وحدة حكومية من فئة (مظاليم الهوى)..

سيدي رئيس الوزراء ترتيب الأولويات هو نصف النجاح..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق