مبادرات رفع العتب وآليات تجريف الوعي من يأمر ومن ينفذ؟ .. بقلم: تيسير حسن إدريس

السودان اليوم

المبتدأ: –

(تصبح الكذبة حقيقة إذا تم تكرارها بما يكفي.) “فلاديمير ايليتش لينين”.

والخبر: –

(1)

لا تزال بعض النخب السياسية السودانية تعول على مناهج العمل السياسي التي اثبتت التجارب عطبها وعدم قدرتها على إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب وهي مناهج خطابية لم تبارح مربع اللجج الجماهيري؛ وظلت على حالها منذ خروج المستعمر وحتى اليوم؛ ورغم المتغيرات الكبيرة التي عصفت بالمشهد السياسي السوداني؛ تصر هذه النخب السياسية على التعاطي بنفس هذه المناهج غير المبدئية مع القضايا الوطنية الحساسة التي تتطلب حدا معقولا من المبدئية والعقلانية؛ حيث ما انفكت تسعى لحلحلة الأزمة الوطنية الماثلة بعقلية وأدوات تلك المناهج مُبْدِية عُزُوفٌا مُحَيَّرا عن اِسْتِحداث وسائل ومناهج عمل سياسي جديد؛ حتى غدت آفة الاستسهال هذه (متلازمة عجز) تعاني منها الساحة السياسية السودانية التي لم يكترث أقطابها للحراك المجتمعي الباطني الذي تحكمه قوانين جدلية تضبط ايقاع صيرورته التاريخية مما قاد لتراكم الغبن الاجتماعي وتعقد اوجه الازمة الوطنية.

(2)

تتميز سلطة الحركة الاسلامية الحاكمة السودان اليوم بالانغلاق الشديد ورفض وجود أي رأي مخالف لمشاريعها وتصوراتها لقيادة الدولة ، مما يجعل أمر اختراقها بعملية سياسية ديمقراطية (كالانتخابات) أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيل، فواقع انغلاق السلطة الحالية قد تسبب اجمالا في رداءة المشهد السياسي السوداني ورتابته؛ مما ادى بصورة عامة؛ لعزوف المواطنين عن المشاركة في العملية السياسية؛ ونسبة المشاركة والتصويت في الانتخابات العامة الاخيرة التي جرت في عام 2015م خير شاهد على ذلك واستمرار هذا الواقع السياسي المعطوب بات حاليا يشكل خطراً داهماً يهدد كيان المجتمع والدولة معا.

(3)

وفي ظل هذا الواقع المأزوم والواجب تغييره يَنْبَرِي لنا للأسف بعض من قادة الاحزاب السياسية لتقديم مبادرات واطروحات لا تناقض فكرة التغيير فقط بل تمد بكرم حاتمي طوق النجاة لنظام الاستبداد – الذي سدت في وجهه السبل- وتمهد له سبيل الافلات بجرائمه من العقاب وهي تدفع الشارع وتحثّهُ على المشاركة في الانتخابات العامة المزمع عقدها في 2020م؛ وفق رؤية النظام وقوانينه المقيدة للحريات ودون حتى أي التزام منه ولو بالحد الأدنى من متطلبات وشروط لعبة الانتخاب الديمقراطي المتعارف عليها دوليا.

(4)

التجربة السياسية في تعبئة الشارع السوداني ما بعد اجهاض التجربة الديمقراطية الأخيرة قد تعرضت إلى التشويه والمسخ على يد نظام الحركة الاسلامية الذي استفاد من ارث الدكتاتوريات البغيضة التي حكمت من قبل، ليعيد تشكيل وعي الجماهير بما يتفق مع مصالحه عبر تزييف وتشويه معالم الوعي الإنساني للمواطن السوداني بغرس مفاهيم سالبة تصور الأهداف الذاتية والمصلحة الشخصية على أنها أهداف عظيمة ومقدسة ومشروعة؛ في حين نسفت قيم ومفاهيم المصالح الوطنية العليا لتتراجع الى أخر اهتمامات الفرد.

(5)

ولا شك أن هذا الفكر والمشروع الذي تبناه نظام الحركة الاسلامية في السودان كان رغم ضحالته يتطلب لتنفيذه مهارات وقدرات استثنائية؛ حشد لها عراب النظام من الكوادر الأكثر خبثاً في صفوف تنظيمه وأهَّلَها للعبث بوعى الشارع بوسائل الإعلام الموجه وقنوات تزيف الحقائق والتاريخ مستغلا في ذلك السلطات الحكومية ومقدرات الدولة دون حياء، كما وعمد بأسلوب المغريات المادية والوظيفية لاستقطاب شخصيات دينية وسياسية وفكرية معروفة في المجتمع من منسوبي الاحزاب التاريخية ليتم من خلالها تسميم أفكار العامة وحشدها خلف مشاريع الوهم وتجريف الوعي التي تستلب الارادة وتحول المواطن لمجرد رقم أصم يسهل حسابه وتحريكه بالريموت كونترول.

(6)

إن مبادرات رفع العتب التي تطرحها اليوم بعض من قيادات المشهد السياسي والفكري الفاقدة لتوازنها تحت عصف متغيرات الواقع السوداني وحراكه المجتمعي انما تسعى من خلالها لخدمة مصالحها الخاصة مهما ادعت أن هذه المبادرات وسائل نضالية سلمية تهدف لتفكيك النظام ومقاومة الاستبداد؛ فطريق خلاص الوطن وشعبه من نير الاستبداد والفساد واضح لا يحتاج لسيل كل هذه المبادرات والاطروحات الفوقية التي تتم في الخفاء من خلف ظهر الشعب في ورش عمل ولقاءات تنظم في الخارج على يد منظمات اجنبية معلومة التوجه ويتم اصطفاء شخصيات وتنظيمات بعينها للحضور دون غيرها!!؛ ومن ثم يجتهد في التسويق لمخرجاتها التي لم ولن تخرج بالطبع عن السياق العام لمشروع الشرق الاوسط الكبير الهادف لإعادة ترتيب المنطقة وفق رؤية ومصالح الدول الرأسمالية الكبرى التي لا يعنيها امر السودان وشعبه إلا بالقدر الذي يضمن لها تحقيق تلك المصالح.

(7)

من هنا نقول أن أي مبادرة لمعالجة الازمة السودانية لا تستند على إعادة صياغة وعي المواطن السوداني بما ينسجم مع تطلعاته وأهدافه في التغيير ولا تلامس طموحه وسعيه نحو بناء مجتمع العدالة والديمقراطية والمواطنة الكريمة المستندة عل العقل والمنطق بعيدا عن الانفعالات الساذجة، ولا تعمل بصدق على تحديث الخطاب السياسي من حيث المحتوى والأهداف والوسائل، وتحوله من خطاب ” حشدوي ” منفعل لخطاب ايجابي يستهدف بناء ثقافة سياسية بناءة ذات صبغة واقعية لن يكتب لها بعد اليوم النجاح ولن ترى النور مهما تجملت بالشعارات البراقة أو احاطت نفسها بهالة من القدسية الدينية أو الطائفية الزائفة.

(8)

لقد أوصل نظام الحركة الاسلامية – بحمقه وإصراره على نهج الاستفراد بالسلطة وبالقرار الوطني – الأزمة الوطنية لمرحلة بالغة الخطورة والتعقيد افرزت تضارب غير مسبوق في اراء قوى السياسة السودانية وأختلاف حول ماهية الحل الامثل وكيفية الخروج من عنق الزجاجة ومعالجة ما تراكم من معضلات فتباينت مواقف القوى حد التصادم وتفاوتت ما بين مستسلم خانع للواقع وأخر يستنبط من حيرته حلول ومبادرات لرفع العتب وزراعة آمال كذوبة في النفوس اليائسة بينما ظلت قوى التغيير الحية المؤمنة بحتمية الثورة رغم بؤس الواقع الماثل (تعافر) وسط اغلال هذا المشهد السياسي المعطوب محاولة تجاوز العقبات وجمع ما تبعثر من الصف المعارض خلف برنامج عملي للتغيير يتخطى وهن اللحظة الراهنة.

(9)

وسط تباين مواقف الصف المعارض وتناطح اطروحات قيادته ظل الشارع السوداني الذي هد (حيله) تطاول الازمة واثقال الواقع المعيشي الضاغط يقاوم الاستبداد والظلم بالمتاح له من وسائل وهو يرقب في صمت ويستجمع في صمت ايضا قواه ويستعيد وهج وعيه الذي تم تزيفه بمشاريع الوهم السلطوية من جهة وأطروحات ورفع العتب وآليات تجريف الوعي التي تبنتها بعض قيادته المعارضة من جهة أخرى ويختزن في ذاكرته كل هذا ويحلل ليكون شاهد وشهيد صدق في اليوم الموعود.

(10)

ومنطق تجارب التغيير في السودان تقول: لكي يحسم الشارع خيار انحيازه لابد اولا من ان يتجاوز مرحلة التشويش هذه ويتفرغ بجماع وعيه لمهمة (فلترة) الاطروحات المقدمة من هنا وهناك بعد ان يحدد وفق تجاربه السابقة العوامل التي تساعد على تصويب الاتجاهات واهمها في واقع السودان الحالي هو فهم اهداف وغايات كل مبادرة من مبادرات القوى السياسية ومدى تناقضها او تقاطعها مع غايات واهداف مشروع النظام العالمي الجديد الذي وضعت له قوى الامبريالية استراتيجية محددة تستند على تجزئة النضال بفرض قوقعة على كل مكون من مكونات القوى الوطنية وتحويل احزابها ومنظماتها لجزر معزولة متناحرة الاطروحات ومن ثم محاولة إثارة الزوابع داخل كل قوقعة سياسية على حده ودفعها للتلهي بقضايا صراعها الداخلي مما يصرفها عن القضية الوطنية وهكذا وبالتدريج يصاب كامل المشهد السياسي القطري بحالة من الإحباط واليأس.

(11)

فمن التجزئة النضالية الى القنوط واليأس يظل النظام العالمي الامبريالي يعمل على نشر استراتيجية إعلامية معادية للقوى الديمقراطية وساعية إلى تشويه صورة القوى الثورية ومحاولة عزلها وتيئيس المجتمعات من اطروحاتها للتغيير ليسهل أمر دفعها إلى مستنقع الاستكانة والخنوع تمهيدا لقبولها بالمشاريع المستوردة العابرة للقارات ولكي ينجح هذا المخطط الامبريالي كان لابد من الاستعانة ببعض الشخصيات والقيادات الوطنية؛ حيث يتم استقطاب وجذب اصحاب المطامع منهم بوسائل ومغريات مادية في حين يستقطب اصحاب الرؤى والمشاريع السياسية بشعارات خداعة مثل شعار (الهبوط الناعم!!)؛ لذا فلا تعجب إن رأيت اليوم من القيادات السياسية المعروفة من يدافع بالضرس والناب عن فكرة التسوية مع نظام صنفته منظمة (العدالة الانتقالية) بانه واحد من النظم التي تقع تحت القياس (البرتقالي) الذي يعني على ميزان العدالة الانتقالية المرحلة (الحرجة) حيت لا يلي السودان في الترتيب سوى دولة واحدة هي الصومال.

(12)

إذن عندما تدافع هذه القيادات عن مشروع التسوية والمساومة مع النظام أو عن صحة مشاركتها في الانتخابات القادمة للأسباب التي ذكرناها فهي إنما تدافع في حقيقة الأمر عن وجودها الذي بات مرتبطاً ومرهوناً بنجاح المشروع الامبريالي في المنطقة لذا تشحذ الأقلام في هذه المرحلة الأخطر من تاريخ شعبنا وتنشط بدعوى (توعية) الجماهير في حين انها في حقيقة الأمر تهدف لإضعاف معنويات المواطن وتثبيط عزمه وغرس المخاوف فيه والدفع به لمستنقع الخنوع. إن أمر توعية الجماهير لا يمكن ان ينفصل عن أمر نضالها السياسي المستقل ؛ لا سيما نضالها الثوري ضد الاستبداد ومن أجل التغيير فهو فقط الذي يرفع من وعيها ويوسع افقها ويثري تجربتها وما دور النخب السياسية والفكرية الصادقة والمخلصة لقضاياها سوى تشجعها وتحفيزها لاكتشاف قدراتها التنظيمية والثورية الكامنة ورفدها بوعي حقيقي لا تغبيش ولا تدليس فيه.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 15/11/2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق