عرمان وادلجّة التاريخ .. طلال محمود

السودان اليوم

بمثلما كان آفة الأخبار رواتها تظل كذلك آفة التاريخ مؤدلجيه لكسب معارك سياسية عابرة قصيرة المدى والأهداف _ ولعل أفدح الأخطاء في قراءة وتحليل التاريخ هو _ انتزاع أحداث من نسقها الحضاري وسياقها التاريخي الموضوعي ومحاكمتها بمعايير مفاهيم عصرية حديثة أتت بعدها بقرون ومئات السنين من خلال إسقاطها على الواقع الراهن _ من خلال خطاب نشر الكراهية والشحن الإعلامي الملغوم والمحقون كذلك بالبغضاء التاريخية لبناء التناقض والاستقطاب بصناعة فزاعة يتم تمريرها في أجواء استقطابية تعتمد الإثارة وشيطنة الآخر _لصالح طرف آخر ثم عكس العملية في أوقات الاستقطاب الإقليمي الحاد ما يطرح علامات استفهام حول منطلقات مصداقية الخطاب كصورة شكلية بلامضمون _ ولعل ذلك ما يجعل الإسلاميون يكسبون معاركهم في مواجهة الحداثيين التقدميين _ حيث يقتضي الذكاء أن يتعلم الإنسان من خصمه أكثر من صديقه _ ففي كل فكرة ولكل طرف مهما كان إيجابية _ فصورة الخصم ذاتها تشترط التمكن من عناصر وخصائص معينة _ تؤهل صاحبها ليقف في وجه الطرف الخصم أو الايدلوجيا المتخاصمة معها _ بمعنى أدق التبادلية النفعية في الخصومة الايدلوجية التاريخية بين التقدميين والإسلاميين ،وذلك ما يجعل الإسلاميين يستفيدون من خصومتهم تلك بسحب البساط وتسجيل نقاط لصالحهم باستقطاب حجم القواعد الشعبية وكذلك مصادرة بعض قوة الخطاب الديمقراطي الحداثي أن لم كله _ لأنه يكشف عن قدرة خاصة في فن إدارة المعارك الايدلوجية وفهم واستيعاب البيئة الفكرية العامة وهي قدرة مكتسبة وليست من صميم النسيج البنيوي للإسلاميين _ يسحب البساط الجماهيري من أقدام الخصم بتوظيف ذات آليات المزايدة والتهريج والانفجار الشعاراتي للخصم _ في موضوعات وأفكار يعتبرها الخصم التقدمي مشروعه الجوهري والأسلحة التي يجب أن يفتك بها على خصمه الإسلامي _ باختلاق إشكاليات صدامية لمنظومة الحداثة نابعة من _ اذدواجية انتقائية المعايير تنطوي على الصمت الخجول المقصود في لحظات الإحراج منها باللجوء إلى سُترة نجاة فكرة الخصومة التاريخية _ كضرب من ضروب المناورات الايدلوجية وهو خطاب يخصم من رصيدها الجماهيري الضعيف اصلاً أكثر مما يضيف. ومن تلك الأمثلة _ رفض أي تقارب بين السودان وتركيا _ باستحضار _ عرمان _الذاكرة التاريخية لغزو محمد على باشا السودان من خلال الشحن الغوغائي بالقفز على الحقائق برغم ان كل ملابسات ذلك الغزو كانت معروفة للقاصي والداني _ منذ اجتماع شيوخ الأزهر الشريف بقيادة الزعيم المصري _ عمر مكرم _ ورفع مذكرة وضعت الإمبراطورية العثمانية أمام الأمر الواقع بخلع والي مصر وقتها _ خورشيد باشا عام 1805 وتنصيب الألباني ، محمد علي باشا مكانه _ الذي قام بغزو السودان فيما بعد تمرده على الاستانة التي رافضة لتنصيبه منذ البداية لعلمها المسبق بطموحاته السلطوية التوسعية _ تلك الحيثيات التي صاحبت غزو محمد علي باشا للسودان يعلمها حتى من عايشها وفي مقدمتهم سلطان دارفور _ على دينار _ الذي انحاز للامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى في مواجهة بريطانيا _ ولكن عرمان لا يعلمها _ وكذلك دعاة التطفيف الايدلوجي التاريخي الذين لم نسمع منهم يوما بصدح حناجرهم واسالة مدادهم وتداعي جمعهم بإدانة تجريمية تاريخية لبريطانيا على تقاربها مع السودان _ برغم ان غزوها واستعمارها السودان تم بمباركة الإمبراطورية البريطانية التي لم تغرب عنها الشمس بقيادة _ كتشنر وونجت باشا _ وليس أحمد عرابي المصري !? مثلما يحملون مصر تلك الجريمة التاريخية تفاديا ربما للحرج الليبرالي الايدلوجي مع بلاد فيلسوفها الأول _ جون لوك _ فيما يطالبون تركيا باعتذار تاريخي _ وهو ما يفضح تناقض وارتباك ولا نقول فصام وهشاشة الخطاب التقدمي الحداثي الايديولوجي الفضفاض _ والذي ربما يقرأه البعض في سياق دفع فاتورة حدة الاستقطاب لصالح أطراف إقليمية _ اوليغارشية دكتاتورية _ في أحد تجليات حالة التناقض باتخاذ مواقف سياسية ومناصرة أطراف معادلة صراع إقليمي يشكلون اليوم ما يعرف بمعكسر كهنة معبد النظام العربي القديم باجهاضهم لثورات الربيع العربي والقيم التحررية التي ينادي بها _ الحداثيون التقدميون _ وترتكز عليها الفلسفة الليبرالية في أصولها التاسيسية على منح الأفراد حرياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية كقيمة مركزية في منظومتها الفكرية _ أكثر ربما من تسجيل هدف في مرمى شباك حكومة الخرطوم _ وكذلك تصفية حسابات لخصومات ايدلوجية مع تركيا لصالح حساب أطراف إقليمية !??

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق