*الميزان التجاري ،و صدمة الإنفصال*! محمد القاضي .

السودان اليوم

يمثل الميزان التجاري للبلاد ، وهو بحسب الاقتصاديين : الفرق بين قيمة الواردات والصادرات لدولة ما خلال فترة معينة ؛ مؤشرا تحليليا جيدا لصدمة انفصال جنوب السودان ، و أثرها على الاقتصاد السوداني ، وتوجهاته الانتاجية . حيث تشكل الصادرات عنصرا اقتصاديا مهمآ في دعم الاقتصاد الكلي للبلاد ؛ خاصة من جهة : توفير العملات الاجنبية لمقابلة الطلب على الواردات ،وزيادة الربحية و فائض القيمة . و بحسب إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء ؛ فقد

زادت الواردات في الفترة من 2011 وحتى 2015، بنسبة هائلة بلغت 97% أى الضعف ، حيث كانت تبلغ في العام 2010 ، 25.788.239 جنيه ،و ارتفعت الي 50.831.194 جنيه في العام 2015 . وفي ذات الفترة إنخفضت قيمة الصادرات بما نسبته 7% حيث كانت تبلغ قرابة 23.937.092 جنيه ووصلت الي 22.357.709 جنيه . مع ملاحظة ان الصادرات قد انخفضت بشدة في العام 2012 حيث بلغت 10.862.065 اى انها انخفضت بنسبة 55% أي النصف ، لكنها إرتفعت في السنوات اللاحقة الي ما يقارب قيمة صادرات العام 2011 .ويبدو ذلك جراء صدمة الانفصال و الانشغال بالشأن السياسي ، و خروج نسبة مقدرة من عائدات البترول .

وطوال هذه السنوات كان الميزان التجاري ، وهو : الفرق بين قيمة الواردات والصادرات في فترة معينة ، يشكل عجزآ دائمآ ، إستمر في الاتساع من العام 2001 وحتى العام 2015 بشكل متواصل ومتزايد ، بل و حتى اليوم ! وقد تضاعف في خلال هذه السنوات الي ما يقارب 16 ضعفآ عما كان عليه في بداية هذه الفترة .

كان متوسط صادرات البترول ومنتجاته في الفترة من 2006 وحتى 2010 اى في السنوات الخمس السابقة لإنفصال جنوب السودان ما قيمته 17.8 مليار جنيه بينما انخفضت عقب الانفصال ؛حيث بلغ متوسط العائدات خلال الفترة من 2011 – 2015، سبعة مليارات من الجنيهات اى انخفضت نسبة عائداته الي 61% .

من هنا ندرك لماذا إرتفع العجز في الميزان التجاري في هذه الفترة بنسبة ضخمة بلغت 15 ضعفآ .وهو ما ؛ يشير إلي مدى إعتماد البلاد على عائدات البترول حيث شهد العام 2007 أدني مستوآ للصادرات غير البترولية .

وفيما يخص هذه الأخيرة _أى الصادرات غير البترولية _ فإن متوسط عائد الصادرات قبل الانفصال كان 1.840.000 جنيه ثم إرتفع في الفترة من 2011 وحتى 2015 ليبلغ متوسط الصادرات 11.680.000 جنيه أى قد ارتفع بنسبة سبعة أضعاف ونصف .

وثمة ملاحظة هامة وهي : إن الفترة من 2001 وحتى 2010 قد إتسمت بإنخفاض في قيمة الصادرات غير البترولية حيث لم تتجاوز بأى حال 2.000.000 جنيه . مما يعني أن الدولة كانت تعتمد كلية على عائدات البترول ! ونصل إلي نتيجة مفادها أن الدولة لم تكن تتبنى سياسات اقتصادية إنتاجية متكاملة ، تهتم بجميع قطاعات الاقتصاد المختلفة . فهي حين تتوفر لها عائدات ريعية من أى قطاع ، و تحديدآ التعدين ، تهمل بقية القطاعات ولا تهتم بها وبتنميتها حتى الوصول إلى مرحلة تراجع عائدات ذلك القطاع الريعية ؛ كالبترول آنذاك و الذهب حاليا . فتحول الاقتصاد السوداني الي اقتصاد ريعي بدلا عن انتاجي .

وامام التحديات التي واجهت البلاد بعد إنفصال جنوب السودان و خسارة ثلاثة ارباح عائدات البترول ومشتقاته إتجهت الحكومة، مرغمة الي تشجيع، والتركيز على : استخراج الذهب والذي أدى الي مضاعفة متوسط صادراته ، والذي أدى إلى مضاعفة قيمة عائداته لما قبل الانفصال وما بعده .

حيث كانت كمية الذهب المنتج في الفترة من 2006 وهي 2010 هي 10.498 كيلو غرام وتضاعفت في الفترة من 2011 وحتى 2015 لتبلغ 21.185 كيلو غرام . كما و شكلت سلعة الضان السلعة الثابتة بعد الدهب ؛ من حيث العائدات في الفترة السابقة للانفصال وبلغ متوسط عائداته 948.009 جنيه فيما تضاعفت عائداته في الفترة اللاحقة للانفصال ليبلغ متوسط عائداته للسنوات الخمس التالية 1.989.936 جنيه .

إن الأزمة الإقتصادية الحالية هي نتاج طبيعي لعدم إستثمار عائدات البترول و الذهب الريعية ، في دعم و تأسيس بنية استثمارية إنتاجية مستدامة تستغل بصورة مثلى الثروات غير القابلة للنضوب للبلاد .

* مصدر الإحصائيات : الجهاز المركزي للإحصاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق