السادة لونه خمري

.. التقيتها بالأمس في مناسبة عائلية.. كنا قد تدربنا معاً في إحدى الدورات التدريبية قبل عدة أعوام.. عرفتني بنفسها مما اضطرني لتقليب ملف الذكريات والوجوه التي لاقيتها.. تذكرتها.. كانت صغيرة الحجم.. دقيقة الملامح.. تمعنت فيها وقلت لها: (فيك حاجة متغيرة.. بس ما عارفة هي شنو).. ضحكت.. وعرفت مباشرة التغيير الذي طرأ.. بانت لها غمازة صغيرة عند أسفل خدها الأيسر.. قالت ضاحكة وهي تضع أصبعها على الغمازة.. (غايتو يا ناس الأبحاث ما بتفوت عليكم حاجة.. لكن لو عجبتك.. أديك عنوان الدكتور البعملها.. خمس دقايق وتطلعي منو عندك نونة تجنن).. عملية؟ أنا بخاف من الحبوب.. دا أنا أخاف من الكلب.. يطلع لي أسد؟

هاجس تغيير الشكل لكي يصبح أكثر جمالاً وجاذبية.. منذ القدم ومن (تبينا قمنا ربينا).. لذلك لا نستطيع أن نتهم به الجيل الحديث فقط.. فقد سبقنا الأجداد إلى ذلك في (دق الشلوفة).. عندما كانت الفتاة تخضع لعملية مؤلمة لتغيير لون الشفاه لتصير سوداء.. لأن ذلك اللون كان رمزاً للجاذبية في ذلك الوقت.. حتى الشلوخ كانت علامة للقبيلة ورمزاً للانتماء لإحدى المجموعات السكانية..

لكن الكثيرين اعتبروها أحد رموز الجمال لمدة طويلة.. حتى ظهرت حركة ثورية انتظمت البلاد وصار الخد السادة علامة لصغر سن الفتاة وتحضرها وأصبحت أغنيات مثل (السادة لونه خمري).. هي المفضلة.. وسعدنا بهذا الأمر فترة من الزمن.. حتى ظهرت قصص التاتو والغمازات.. فعرفنا أن الأمر لم ينته.. وأن الأنثى مش عايزة تجيبها البر.. فما أن خلصنا من دق الشلوفة حتى ظهرت النونة المجنونة ويا قلبي لا تحزن..

اللهاث خلف الملامح الجمالية بلغ حداً غريباً.. يعني تجاوزنا موضوع اللون والتبييض والتفتيح.. وغادرنا محطة زيادة الوزن وحقن التسمين ونفخ الخدود.. كمان جابت ليها غمازات وبالعملية كمان.. تذكرت معلمتي في المدرسة المتوسطة.. كان اسمها أستاذة فوزية على ما أذكر.. كانت تدرسنا التربية الإسلامية.. أذكر أنها حفظتنا مقولة عن ظهر قلب..

قالت لنا: (كل ما تعاينوا لي نفسكم في المراية.. وتشوفوا إبداع الله سبحانه وتعالى في خلقه.. قولوا (اللهم حسن خُلُقي (بضم الخاء واللام) كما حسنت خلقي (بفتح الخاء وتسكين اللام).. صحيح قالوا العلم في الصغر كالنقش في الحجر.. هذه العبارة كلما رددتها أذكر صوتها وهي تحذرنا من الإعجاب بجمال الوجه أو التضجر من الملامح غير الجميلة.. وكيف أنها كانت تريدنا أن ننظر إلى دواخلنا ونرى كنوز الجمال التي ازدانت بالمعرفة والعقل.. سقى الله تلك الأيام.. والسلام يغشاك يا أستاذة فوزية حيثما كنت..

الطريف في الأمر أنني وجدت تفسيراً غريباً لأغنية سمعتها في تلك المناسبة العائلية.. فقد لفتت نظري كلماتها وغرابتها.. لكنني وبعد الغمازة الاصطناعية.. وتاتو الحواجب الذي وحد الأوجه.. وهلم جرا من التغييرات الشكلية، لا أستغرب أن يأتي زمن يختار فيه المرء.. موضع الشامة في وجهه.. فقد كانت كلمات الأغنية تقول: (الشامة قاعدة في حتة.. تقول ختيتها إنت)..!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق