وفاه الرسول صلى الله عليه وسلم

محمد عليه الصّلاة والسّلام

لم يشهد المُسلمون عَبر تاريخهم المُمتَدّ والذي يزيد على 1400 عاماً حدثاً كانت وطأته أشدّ عليهم من وفاة حبيبهم وقدوتهم رسول الله محمد -عليه الصّلاة والسّلام-؛ فقد كان الرّسول الأعظم مثالاً للخير والبِشر والأمانة والصّدق وكافّة أبواب الخير، وقد شَرّفه الله عزّ وجلّ بأن حمَّله الرّسالة الخاتمة التي ختمت سلسلةً طويلةً من السّنين والقرون التي كانت السّماء فيها مُتّصلةً بالأرض، فبوفاة خير البشر مُحمّد – عليه الصّلاة والسّلام – انقطع هذا الاتّصال، وبدأ عَهدٌ جديدٌ لا تتدخّل فيه السّماء بشكلٍ مُباشر كما كان في الماضي؛ بل على العكس، فهذا العهد الجديد هو عهد العمل والاجتهاد والتّطبيق لما تعلّمَتْهُ الإنسانيّة من رُسُلِها وأنبيائها – عليهم الصّلاة والسّلام – وعلى وجه الخصوص خاتَمُالأنبياء مُحمّد – عليه الصّلاة والسّلام – وقد كان تاريخ وفاته انطلاقاً للخلافة الإسلاميّة ومَنشأً لدولة النّبوة التي أسَّسَها – عليه الصّلاة والسّلام – على العدل والاستقامة وقَبول الآخر.

نَسَبُه ومولده

سيرة مُحمّد – عليه الصّلاة والسّلام – من أجلى وأوضح السِّيَر التي شهدتها البشريّة لرجلٌ بمكانة مُحمّد – عليه الصّلاة والسلّام – فإنّ جميع الأنبياء والرُّسل والعظماء قد تخلَّلَ حياتهم شيئاً من اللُّبس والغموض، وتكاثرت الآراء في الصّحيح منها، باستثناء سيرة النبي مُحمّد؛ فقد كانت سيرته من يوم مولده وحتّى يوم وفاته معلومةٌ وبارزةٌ بروز الشّمس في عزِّ الظّهيرة، وتلك ميزةٌ لم تتحصّل لغير مُحمّد عليه الصّلاة والسّلام.

نَسَبُه

هو مُحمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مُعدّ بن عدنان، وينتهي نَسَبُ عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام.[١]

مَولِده

وُلِد رسول الله – عليه الصّلاة والسّلام – في صبيحة يوم الإثنين بلا خلاف، التّاسع من شهر ربيع الأوّل، الموافق لعشرين من نيسان عام الفيل سنة 571م،[٢] وقيل: يوم الإثنين الثّاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل سنة 5700م، وجاء في بعض الرّوايات أنّها كانت في 569م،[١] ولمّا وضعته أُمُّه – عليه الصّلاة والسّلام – أرسَلَت إلى جدّه عبد المطّلب أنّه قد وُلِدَ لك غُلام فأتاه، فنظر إليه، وحَمَلَهُ، ودخل به الكعبة، ثم قام يدعو الله ويحمَدُه، وسمّاه محمّداً وكان هذا الاسم غريباً، فتعجّب منه العرب.[١]

حياتُه قبل البِعثَة

نشأ المُصطفى – عليه الصَّلاة والسَّلام – في ظلِّ مُجتمعٍ تشوبه الرَّذائل والأهواء؛ إلا أنّه ومع كل تلك الفواحش فقد كان مَحفوظاً من عند الله من الوقوع في المعاصي، بعيداً عن المُنكرات، بل على العكس؛ فقد كان من أفضل شباب قومه مروءةً، وخُلُقاً، وحياءً، وأصدَقُهم حديثاً، وأعظمهم أمانةً، وأبعدَهم عن الفُحش والبَذاءة، حتى لُقِّب بالصَّادق الأمين، وكان من صفاته أنّه كان يعتممد على نفسه؛ فيأكل من نِتاج يديه، وثَبَتَ أنّه رَعى الغَنَمَ في بني سَعد مع إخوَةٍ له من الرَّضاعة.[١]

بعثته

من خواصّ الدّيانة الإسلاميّة أنّها جاءت كرسالةٍ عالميّة، حيثُ كان مَبعَثُ مُحمدٍ – عليه الصّلاة والسّلام – عاماً لكلّ النّاس لا لقومٍ دون قوم، ولا لفرقةٍ دون فرقة، فجاء بالعقيدة الإلهية الواحدة، والشَّريعة المُلائِمة للنّاس أجمعين، لذا كانت الشّريعةُ التي جاء بها صالحةً للتّطبيق في كلّ زمانٍ أو مكانٍ.[٣]

عمره حين البعثة

كان عمر رسول الله – عليه الصّلاة والسّلام – حين بُعِث أربعين عاماً، وقد أقَام رَسُول الله بمكَّةَ بعْد نُزُولِ الوَحي عليه ثلَاث عَشْرة سنةً، ثمَّ هاجَر فقَدِمَ المدينَةَ في ليلةَ الإثنين الثّاني عشر من شهر ربِيع الأوَّل فأقام فيها عشر سنين، وكانت بعثته بالتّحديد في 17 رمضان سنة 13 قبل الهجرة، وذلك يوافق يوليو سنة 610 وأول ما بُدَء به الوحي الرّؤيا الصّادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، وكان نزول الوحي عليه – عليه الصّلاة والسّلام – في أحوال مُختلفة فمنها النّوم، وأن يُنفَثَ في روعه الكلام، وأن يأتيه الوحي كصَلصلةِ الجرس، وأن يُمثّل له المَلَك رجلاً وكان يتمثّل بصورة رجلٍ يُقال له دحية الكلبيّ، ومنها أن يتراءى له جبريل في صورته، ومنها أن يُكلّمه الله من وراء حجاب إمّا في اليقظة كما كان في ليلة الإسراء وإمّا في النّوم.[٤]
تَجدُر الإشارة إلى أنّ نزول الوحي لم يكن مُقترناً بغياب النّبي – عليه الصّلاة والسّلام – عن الوعي جسميّاً مع تنبّه الإدراك الروحيّ للاستقبال الوحي،[٥] بل كان كثيراً ما يأتيه وهو في تمام يقظته العاديّة، فقد جاءه الوحي في عدّة مواضع وأصحابه حوله، أو في مواقف خلافيّة لحسم الجدل كما حصل للمُجادِلة التي جاءته تُجادل في زوجها فنزل إليه الوحي بخبرها وهي جالسةٌ أمامه وعائشة تسمع وترى.

بدء نزول الوحي

اختلف القائلون في بدء نزول الوحي في رمضان في تحديد ذلك اليوم، فقيل هو اليوم السّابع، وقيل السّابع عشر، وقيل الثّامن عشر وقيل الحادي والعشرين وهو الأمر الرّاجح؛ حيث غنَّ عُلماء السّيرة قد اتّفقوا على أن مَبعَثَه – عليه الصّلاة والسّلام – كان يوم الإثنين، ويؤكِّدُ ذلك ما رواه أبو قتادة رضي الله عنه أنّ رسول الله – عليه الصّلاة والسّلام – سُئِلَ عن صوم يوم الإثنين، فقال: (فيه وُلِدتُ وفيه أُنزِلَ علي، وفي لفظ: ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه)،[٦] ويوم الإثنين في رمضان من تلك السنة لا يوافق إلا اليوم السّابع، والرّابع عشر، والحادي والعشرين، والثّامن والعشرين، وقد ثبت أنَّ ليلة القدر لا تأتي إلا في اللّيالي الفرديّة من العشر الأواخر من شهر رمضان، فإذا تمّت المُقارنة بين قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)،[٧] وبين رواية أبي قتادة سالفة الذِّكر أنّ بعثة – عليه الصّلاة والسّلام – كان يوم الإثنين بعد النَّظر إلى التّقويم العلميّ لتلك الفترة فإنَّ ذلك سيُثبِتُ أن بعَثة – عليه الصّلاة والسّلام – كان في ليلة القدر من يوم الإثنين الواقع في الحادي والعشرين من رمضان ليلاً.[٨]

وفاته

رجع رسول الله – عليه الصّلاة والسّلام – إلى المدينة بعد حِجَّة الوداع فاشتكى في آخر صفر، وقد قيل إنّ ابتداء مرضه كان يوم الإثنين لأربع ليال بَقَين من صفر من السّنة الحادية عشرة للهجرة، وقيل: بعدها بليلتين، أي يوم الأربعاء وكان يومها في بيت زينب بنت جحش وقد أصابه ألمٌ شديدٌ جعل نساءه كلَّهن يجتمعن حوله، واستمر ألمه ما يُقارب ثلاثة عشر يوماً، وقيل إنّه طلب النُقلَة إلى بيت عائشة وتمَّ له ذلك، وكان آخر ما نزل عليه من القرآن: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)،[٩] فعاش رسول الله عليه الصّلاة والسّلام بعد هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين الثّاني من ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة الموافق 8 يونيو، 632 ميلاديّة.[١٠]

المراجع

  1. ^ أ ب ت ث علي أبو الحسن بن عبد الحي بن فخر الدين الندوي (1425)،السيرة النبوية (الطبعة الثانية عشرة)، دمشق: دار ابن كثير، صفحة 1588. بتصرّف.
  2. محمد بن عمر بن مبارك الحميري الحضرمي الشافعي، الشهير بـ بَحْرَق (1419)، حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار(الطبعة الأولى)، جدة: دار المنهاج، صفحة 599.
  3. أحمد أحمد غلوش (2003)، السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي (الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة، صفحة 99.
  4. محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري (1425)، نور اليقين في سيرة سيد المرسلين (الطبعة الثانية)، دمشق: دار الفيحاء، صفحة 255.
  5. محمد حسين هيكل، حياة محمد عليه الصّلاة والسّلام ، صفحة 36. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم ، عن أبو قتادة الأنصاري، الصفحة أو الرقم: 1162.
  7. سورة القدر، آية: 1.
  8. صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم (الطبعة الأولى)، بيروت: دار الهلال، صفحة 566. بتصرّف.
  9. سورة البقرة، آية: 281.
  10. عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الخركوشي (1424)،شرف المصطفى (الطبعة الأولى)، مكة: دار البشائر الإسلامية، صفحة 110، جزء 33.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى