مصادمِ cern , ماهو مصادم cern , عودة مصادم cern , اكتشافات الجسيمات الجديدة

تتّجِهُ أنظارُ العلماءِ من جميعِ أرجاءِ المعمورةِ إلى الحدودِ السويسريةِ الفرنسيةِ حيثُ عادَ مُحطِّمُ الذراتِ الأكبرِ في العالمِ Large Hadron Collider أو (اختصاراً LHC) التابعُ للمنظَّمةِ الأوروبيةِ للأبحاثِ النوويّةِ cern إلى العملِ بعدَ انقطاعٍ استمرَّ لما يقاربُ الأسبوعين. اكتسبَ مسرِّعُ الجسيماتِ هذا مُعظمَ شُهرتِهِ بعدَ اكتشافِ جسيمِ هيغز بوزون، أو “الجسيمُ الإلهُ” كما يسمِّيهِ البعضُ، بواسطَتِهِ مِنذُ أربعِ سنواتٍ. توقفَ مصادمُ LHC عن العملِ في مساءِ الثلاثاءِ 28\04\2016، وعندما بحثَ العلماءُ عن السببِ وجدوا جثَّةَ ابنَ عرسٍ كانَ قد قضمَ أحدَ أسلاكِ الطاقةِ وتفحمَ إلى مثواهُ الأخيرِ، ممّا أدى لحدوثِ انقطاعٍ كهربائيٍّ.
يترقبُّ العلماءُ عودةَ المصادمِ إلى العملِ على أحرَّ من الجمرِ ليس فقط لاشتياقِهم إليهِ، بل أيضاً بسببِ ما حصلَ قبلَ توقُّفِهِ عن العملِ. ففي الفترةِ الأخيرةِ قبل توقّفهِ لِتلقى المصادمُ LHC زيادةً كبيرةً على طاقتهِ التصادميّةِ. وبالتحديد في شهرِ كانونَ الأولِ من عام 2015، رصدَ كاشفا جسيماتٍ مستقلَّينِ في مصادمِ LHC إشاراتٍ باهتةً قد تدلُّ على اكتشافِ جسيمٍ جديدٍ ولكنَّ العطلَ حالَ دونَ التأكدِّ منها، الآنَ ومعَ عودةِ المصادمِ إلى العملِ يأملُ العلماءُ أن يُقدِّمَ معطياتٍ إضافيةٍ. إن أُكِّدت المعطياتُ الجديدة الإشارات السابقةَ واكتشفَ الجسيمُ الجديدُ المزعومُ، فإنَّ اكتشافاً كهذا سوفَ يقلِبُ معظم المبادئِ الفيزيائيةِ الأساسيةِ التي نعرفها الآن رأساً على عقبٍ. من غيرِ المتوقَّعِ الحصولُ على إجاباتٍ حاسمةٍ فوراً. سيستغرقُ الأمرُ أسابيعَ على أقلِّ تقديرٍ أو قد يمتدُّ انتظارُنا حتى مؤتمرِ علماء الفيزياء المعروف ب ICHEP.
وفقاً لمسؤولينَ في cern فإنَّ القراءاتِ الأوليَّةَ التي سجلَهَا كاشفا الجسيماتِ ATLAS وCMS (التابعين لمصادمِ LHC) تشيرُ إلى وجودِ جسيمٍ لم يحسبِ النموذجُ المعياريُّ في الفيزياءِ حسابَهُ، وذلكَ عند سويَّةٍ طاقيَّةٍ تُقدَّرُ ب 750 Gev. هذا الجسيمُ الغامضُ، إنّ وُجِدَ، فإنَّه سيكونُ أثقلَ من الكواركِ العلوي، الجسيمِ الأثقلِ في النموذجِ وذلك بحوالي أربعةِ أضعافٍ، ومن جسيمِ هيغز بستةِ أضعافٍ.
علّقَ عالمُ الفيزياءِ النظريةِ كاسابا كازاكي Casaba Csaki، الذي لم يشارك في التجربةِ، قائلاً: “إنَّها إشارةٌ على اكتشافٍ محتملٍ، إن كانَ صحيحاً، فسوفَ يكونُ أكثرَ الأحداثِ التي شهدتُها خلالَ مسيرتي المهنيَّةِ إثارةً، وسيكونُ أكثرَ إثارةً حتى من اكتشافِ جُسيمِ هيغز”.

تُوِّجَ النموذجُ المعياريُ، الذي ظلَ فرضيةً لعقودٍ سابقةٍ، كنظريةٍ بعد أنْ رُصِدَ جُسيمُ هيغز. يسعى النموذجُ المعياريُ كغيرهِ من النظرياتِ، إلى فهمٍ عميقٍ لتركيبِ الكونِ على المستوى اللامتناهي في الصغرِ. يعاني النموذجُ المعياريُ من بعضِ الثغراتِ وخاصَّةً عندما يحاولُ تفسيرَ الظواهرِ المتعلقةِ بالمادّةِ المظلمةِ التي يُعتقدُ بأنَّها تُشكِّلُ رُبعَ كتلةِ الكونِ. إذ ظَهرَت فجواتٌ واضحةٌ بينهُ وبينَ النتائجِ التجريبيةِ. ووفقاً لعلماءِ الفيزياءِ النظريةِ، قد تُساعدنا نتائجُ كانونَ الأولِّ، بعدَ التحققِ من صحَّتِها، في توضيحِ الغموضِ المتعلِّقِ بالمادّةِ المظلمة، أو قد يتضِّحُ أنَّها تعودُ إلى جرافيتون، الجُسيمُ الأوَّليُّ المفتَرضُ، والذي يعملُ كوسيطٍ لانتشارِ قوةِ الجاذبيةِ، أو إلى رَصدِ أيِّ بوزونٍ آخرَ، حتى أنها قد تكونُ إشارةً تعلى وجودِ بُعدٍ جديدٍ.
علَّقَ عالمُ الفيزياءِ التجريبيةِ ورئيسُ فريقِ مركزِ ATLAS، دافيد شارلتون Dave Charlton، قائلاً: “إن كانَت نتائجُ كانونَ الأولِ مجرَّدَ (تأرجحاتٍ)، فإنَّ ذلكَ لن يحملَ أثاراً سلبيةً ولن تجدَ أيَّ فيزيائيٍّ تجريبيٍّ مُكترثاً البتةَ للأمرِ. صراحةً، نحنُ نتوقعُ جميعاً وبشكلٍ كبيرٍ أنّ نَصِلَ إلى طريقٍ مسدودٍ مجدداً”. بالفعلِ، سنحتاجُ إلى الكثيرِ من المعطياتِ للوصولِ إلى الحقيقةِ وقد يتضَّحُ أنَّ نتائجَ كانونَ الأولِ مجرَّدَ إشارةٍ لا معنى لها. لكنَ وجودَ ثغراتٍ في النموذجِ الموحَّدِ وازديادَ قوّةِ المصادمِ، التي قلبَت الفيزياءَ رأساً على عقبٍ في السنواتِ الأخيرةِ، يحضُّ العلماءَ على الاعتقادِ بأنَّ اكتشافَ جسيمٍ جديدٍ أمرٌ لا مفرَ منهُ.

جرت العادةُ بأنْ يَضعَ الفيزيائيونَ النظريونَ تنبُّؤاتِهم وفرضياتِهم ثم يتحقَّقُ التجريبيونَ منها في المختبرِ. لكنَّ الطاقةَ الهائلةَ التي تُضخُّ في مصادمِ cern الآن، أوصلَت العلماءَ لنتائجَ لم يتمَّ بعدُ وضعُ أيِّ تفسيرٍ أو نموذجٍ نظريٍ لها. وعلّقَ شارلتون: “هذا الجسيمُ، إنّ وُجِدَ سيكونُ شيئاً خارجَ نطاقِ فهمِنا، وسيثبتُ أننا تركنا أمراً مهماً يفوتنا”.

على كلِّ حالٍ، اِتفقَ النظريونَ والتجريبيونَ على أنَّ العام 2016 سيكونُ واعداً بسببِ الكميةِ الهائلةِ من البياناتِ الناتجةِ عن التصادماتِ العالية الشدَّةِ والتي ستجري عند المستوى الطاقي القياسي 13 TeV، الذي بُلغَ لأولِ مرةٍ على مقياسٍ أصغرَ في السنةِ الماضيةِ. هذا المستوى أعلى بكثيرٍ من الرقمِ القياسيِ السابقِ 8 TeV. في سبيل تقريبِ الرقمِ إلى ذهنكَ، يُفيدكَ أن تعلمَ أن 1 TeV تقاربُ الطاقةَ الناتجةَ عن حركةِ البعوضةِ الطائرةِ. يبدو أنَّكَ تفاجئتَ، كلُ هذا المصادمِ من أجلِ طاقةِ بعوضةٍ! حسناً لا تتسرع، فما يجعلُ المصادم الهادروني مميزاً هو قدرتُهُ على تكثيفِ هذهِ الطاقةِ في منطقةٍ من الفراغِ أصغرَ بتريليون مرةٍ من حجمِ البعوضةِ. وفقاً لمُتحدِّث باسمِ CERN، بهدفِ الوصولِ لعددٍ من التصادماتِ أكبرَ بستةِ أضعافٍ من تلكَ التي جرَتَ في عامِ 2015 ، حُضِّرَ كُلٌ من المصادمِ العملاقِ، الذي قاربَ من بلوغِ ذروتهِ الطاقيةِ بسقفِ 14 TeV، وقرابةَ 2700 حزمةٍ من الجسيماتِ. وذلكَ لتتصادمَ عندَ سرعةٍ قريبةٍ من سرعةِ الضوءِ.
آملينَ أن يفتحَ هذا المستوى الطاقيُ العالي 13 TeV البابَ أمامَهُم لاكتشافِ أيِّ جسيمٍ جديدٍ قد يتواجدُ بين 8-13 TeV.
ما يزالُ كلٌ من الفريقينِ النظريِّ والتجريبيِّ مُشككينِ على الرَّغمِ من الضجةِ المستمرةِ منذ كانونَ الأولِ. ووفقاً لكازاكي، فإنَّ النتائجَ الأوليةَ لا ترقى إلى مستوى اكتشافٍ بعدُ، وهناكَ احتمالٌ كبيرٌ بأن تكونَ غيرَ صحيحةٍ. مشيراً إلى أنَّ الفيزيائيينَ قد توقعوا وجودَ جُسيمِ هيغز قبلَ أنّ يثبتَ ذلكَ بزمنٍ طويلٍ.
خلالَ هذا العامِ، سوف يتوفرُ بين أيدينا الكثيرُ من البياناتِ التي ستُوصلُنا إلى الحقيقةِ الدامغةِ بحلولِ الصيفِ. سيُكشف النقابُ عنها في مؤتمرِ الفيزياءِ المعروفِ بـICHEP، الذي سيُعقدُ في مدينةِ شيكاغو في شهرِ آبَ/أغسطسَ وسيستمرُ من الثالثِ وحتى العاشرِ من الشهرِ نفسهِ. ويُصرِّح كازاكي متفائلاً: “لن يكون هناكَ إجازةٌ في الصيف!” مشيراً بذلكَ إلى مؤتمرِ شيكاغو.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق