محاكاة التجارب الفيزيائية , فيزياء الطاقه العالية , الحواسب الكمومية , تجربة فيزيائيه

بدايةً و قبلَ أن ندخُل في تفاصيل مقالنا هذا، دعني أشرح لك ما هي المُحاكاةُ الحاسوبية؟
المُحاكاة هي محاولةُ إعادةِ عمليةٍ ما في ظروف اصطناعية مشابهة إلى حد ما للظروف الطبيعية. و في المُحاكاة الحاسوبية يقومُ العُلماء و مطوروا البرامج جنبًا إلى جنب و اعتمادًا على بياناتٍ و مُعطياتٍ و قوانين أولية محددة، ببرمجةِ بيئةٍ حاسوبية افتراضية لإجراء بعضِ التَجارُب فيها. لماذا يحتاجُ العلماء للمحاكاةِ الحاسوبية؟ حسنًا، انهُ سؤالٌ جيّد.
يقومُ العُلماءُ من وقتٍ لآخر بإجراء مُحاكاة حاسوبية لاختبارِ مدى صحَةِ نظرياتهم. حيث يقومونَ بالُمقارنة بين نتائج التجارُب في المحاكاة الحاسوبية و نتائج تجاربهم الفعليّة، و بذلك يتمكنون من معرفة إن كانوا يسيرون على الطريق الصحيح أم لا.

و بالعودةِ إلى صُلبِ مقالنا، فقد أجرى فيزيائيون مؤخرًا أولَ مُحاكاةٍ كاملةٍ لتجرُبةٍ فيزيائية ضمن مجال فيزياء الطاقة العالية. حيث تمكّن حاسبٌ كمومي بدائيّ من إنشاء أزواج من الجسيمات و الجسيمات المضادة لها. و إن تمكن هذا الفريق من تطويرهذه المُحاكاة أكثر فأكثر، فإن هذه المُحاكاة ستمكننا من القيام بحساباتٍ رياضية معقدةٍ للغاية يصعُب على الحاسبٍ العادي القيام بها.

تكون المحاكاة الحاسوبية عادةً فعّالةً و مُفيدة في حالِ مُحاكاة أنظمة أو تجارب فيزيائية بسيطة. لكن في بعض الأحيان تكون الأنظمة الفيزيائية معقدةً جداً بحيث يًصعُب على الحواسيب إجراء مُحاكاة لها.

تتجلّى هذه المُشكلة بصفةٍ خاصّة في الظواهر التي تنطوي على القوى النووية الشديدة التي تُحدد كيفية ترابُط الكواركات مع بعضها البعض في البروتونات والنيوترونات و كيفيّة تشكيل هذه الجسيمات للنوى الذرية، تبعًا لما صرّحت به عالمةُ الفيزياء النظرية في جامعة انسبروك في النمسا و عضو فريق المحاكاة كريستين موستشيك Christine Muschik .

يأمل الباحثون أن تُساعدَ الحواسيبُ الكموميةُ المُستقبلية في حل هذهِ المُشكلة، و أن تتمكن من مُحاكاة أنظمةٍ فيزيائية أكثر تعقيدًا و التنبؤ بنتائجها. يُمكنُ لهذهِ الحواسب التي لا تزال في المراحل الأولى من التطوير، أن تستفيد من ظواهر فيزياء الكم، وبالتحديد من وجود الجسيمات في حالة تراكبية (حالتين في الوقت ذاته 0-1) وما يتبع ذلك من نتائج فيزيائية. إذ يمكنُ لهذه الحواسبِ اعتمادًا على الظواهر الكمومية أن تقومَ بترميز المعلومات عبر بتاتٍ كمومية تُدعى ” qubits” يحتملُ كلٌ منها قيمتين في الوقت ذاته (صفر و واحد) ، عوضًا عن بتاتِ الأصفار و الواحدات (0 / 1) الكلاسيكية، التي يحتملُ كلٌ منها قيمةً واحدة فقط. إذ يمكنُ لحاسبٍ مصنوعٍ من حفنةٍ من البتات الكمومية أن يؤدي العديد من الحسابات في وقت واحِد، و يمكنهُ إتمامُ بعض المهام بشكلٍ أسرع بكثيرٍ من أجهزة الحاسب العادية.

تمكّنَ الفيزيائي التجريبي في جامعة انسبرو “كاستيبان مارتينيز Esteban Martinez “، هو وزملاؤه من تصميم محاكاةٍ حاسوبية فيزيائية لتجربةٍ تتطلبُ طاقة عالية، ألا و هي تجربة تحويل الطاقة إلى مادة، وخلق إلكترون و جسيم مضاد له ( بوزيترون).

استخدم الفريقُ نوعًا مُجربًا ومختبرًا من الحواسب الكمومية التي يقومُ فيها المجالُ الكهرومغناطيسي بِحجزِِ أربعةِ أيوناتٍ في صفٍ واحد في وسطٍ خالٍ، يرمزُ كلٌ منها إلى بتٍ كمومي qubit . و باستخدام أشعةِ الليزر تلاعب الباحثون بخاصيةِ اللّف الذاتي لهذهِ الأيونات ( توجهاتها المغناطيسية) لإعطاء كل منها قيمة محددة ( لف ذاتي باتجاه الأعلى يقابل 1 و لف ذاتي باتجاه الاسفل يقابل 0)، الأمر الّذي دفع الأيونات لأداء العمليات المنطقية والخطوات الأساسية التي يقوم بها أي حاسبٍ عادي.

بعد نحو 100 خطوةٍ متتالية، دامَ كلٌ منها أجزاءً قليلةً من الثانية، نظرَ الفريقُ إلى حالةِ الأيونات باستخدام آلةِ تصويرٍ رقمية، فوجدوا أنّ كلًّ من هذه الأيونات الأربعة اتخذت حالةً محددة، اتخذا اثنان من هذه الأيونات وضعيةَ الجُسيمات واثنان وضعيةَ الجُسيماتِ المُضادة، إذ كشفَ اتجاهُ اللّف الذاتي لكل أيونٍ عن حالته إن كان يمثلُ جسيمًا أو جسيمًا مضادًا في ذلك الموقع.

أكدت الأرقام الكمومية التي توصّل إليها الفريق تنبؤات نظرية الكهرومغناطيسية، التي تُعدُّ نسخةٍ مُبسطةٍ من الديناميكا الكهربائية الكمومية. يقول مارتينيز: ” كُلما كانَ الحقلُ الكهرومغناطيسيّ أكثر قوة، كُلما تمكنّا من إنتاج الجُسيمات و الجسيمات المضادة بشكلٍ أسرع “.

يُمكننا تشكيلُ حاسبٍ كموميٍّ بدائي، اعتمادًا على أربعة بتاتٍ كموميّة. لكن الحصول على حواسب كموميةٍ أسطورية يُمكنها تحطيمُ الأرقام الضخمة إلى عوامِلها الأساسيّة يتطلَبُ مِئاتِ البِتاتِ الكموميّة و العديد من برمجيات تصحيح الأخطاء المُعقدة. ولكن بالنسبة للمحاكاة الحاسوبية الفيزيائية التي يُمكنُ أن تسمح بهوامِشً صغيرة من الخطأ فإنّ بضعةَ بتاتٍ كمومية (نحو 30-40 ) قد تفي بالغرض.

يقولُ John Chiaverini، عالمُ الفيزياءِ الّذي يَعملُ على الحوسبة الكمومية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبردج: ” سيصعُبُ علينا توسيعُ نطاقِ هذه التَجرُبة و رفعُ مستواها دون القيام ب تعديلاتٍ كبيرة “. ذلك لأنّ الترتيب الخطيّ للأيونات في المصيدةِ الكمومية مخصصٌ لمواجهةِ عددٍ معقولٍ من المشاكل، و تقولُ Muschik أنّ فريقها يُخطط بالفعل لاستخدامِ تكوينات ثنائية الأبعاد من الأيونات عوضًا عن التكوين الخطيّ.
يقولُ مارتينيز: ” نحن لم نصل بعد إلى مرحلةٍ تُمكننا من الإجابة على الأسئلة التي لا يمكن للحواسبِ التقليديّة الإجابة عليها ولكن هذا هي الخطوةُ الأولى من أجل القيام بذلك “.
ليست الحواسبُ الكمومية ضرورية لفهم القوة الكهرومغناطيسية، ومع ذلك، يأملُ الباحثون في توسيع نطاق تقنيات التجارُب المتعلقة بها بحيث نتوصلُ إلى مُحاكاةٍ للقوة النووية الشديدة. قد يستغرق هذا سنوات، و قد يتطلب قفزاتٍ نوعية كبيرة، ليس فقط على مستوى الأجهزة، إنما أيضًا على مستوى تطوير خوارزمياتٍ كميّة جديدة.

و يطمحُ العُلماء في أن تُمكننا الحواسب الكمومية من فهم ما يحدُثُ أثناء الاصطدامات النوويةِ السريعة و قد تُمكننا أيضًا من التوصل إلى فهمٍ أعمق للنجوم النيوترونية، الأمر الّذي تعجزُ عنهُ الحواسب العادية.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق