الأربعاء , ديسمبر 13 2017
الرئيسية / الاسلامي / لا يرتقي في علم التفسير إلا من كان متبحرا في علم اللسان – أثير الدين الأندلسي

لا يرتقي في علم التفسير إلا من كان متبحرا في علم اللسان – أثير الدين الأندلسي

فهذه سبعة وجوه لا ينبغي أن يقدم على تفسير كتاب الله إلا من أحاط بجملة غالبها من كل وجه منها ، ومع ذلك فاعلم أنه لا يرتقي من علم التفسير ذروته ولا يمتطي منه صهوته إلا من كان متبحرا في علماللسان ، مترقيا منه إلى رتبة الإحسان ، قد جبل طبعه على إنشاء النثر والنظم دون اكتساب وإبداء ما اخترعته فكرته السليمة في أبدع صورة وأجمل جلباب ، واستفرغ في ذلك زمانه النفيس ، وهجر الأهل والولد والأنيس ، ذلك الذي له في رياضه أصفى مرتع ، وفي حياضه أصفى مكرع ، يتنسم عرف أزاهر طالما حجبتها الكمام ، ويترشف كئوس رحيق له المسك ختام ، ويستوضح أنوار بدور سترتها كثائف الغمام ، ويستفتح أبواب مواهب الملك العلام ، يدرك إعجاز القرآن بالوجدان لا بالتقليد وينفتح له ما استغلق إذ بيده الإقليد ، وأما من اقتصر على غير هذا من العلوم أو قصر في إنشاء المنثور والمنظوم ، فإنه بمعزل عن فهم غوامض الكتاب وعن إدراك لطائف ما تضمنه من العجب العجاب ، وحظه من علم التفسير إنما هو نقل أسطار وتكرار محفوظ على مر الأعصار . ولتباين أهل الإسلام في إدراك فصاحة الكلام وما به تكون الزجاجة في النظام ، اختلفوا فيما به إعجاز القرآن ، فمن توغل في أساليب الفصاحة وأفانينها وتوقل في معارف الآداب وقوانينها ، أدرك بالوجدان أن القرآن أتى في غاية من الفصاحة لا يوصل إليها ، ونهاية من البلاغة لا يمكن أن يحام عليها ، فمعارضته عنده غير ممكنة للبشر ، ولا داخلة تحت القدر ، ومن لم يدرك هذا المدرك ولا سلك هذا المسلك رأى أنه من نمط كلام العرب ، وأن مثله مقدور لمنشئ الخطب ، فإعجازه عنده إنما هو بصرف الله – تعالى – إياهم عن معارضته ومناضلته وإن كانوا قادرين على مماثلته . والقائلون بأن الإعجاز وقع بالصرف هم من نقصان الفطرة الإنسانية في رتبة بعض النساء حين رأت زوجها يطأ جارية فعاتبته فأخبر أنه ما وطئها ، فقالت له : إن كنت صادقا فاقرأ شيئا من القرآن ، فأنشدها بيت شعر قاله ، ذكر الله فيه ورسوله وكتابه ، فصدقته فلم ترزق من الرزق ما تفرق به بين كلام الخلق وكلام الحق .

( وحكى ) لنا أستاذنا العلامة أبو جعفر – رحمه الله تعالى – عن بعض من كان له معرفة بالعلوم القديمة ومعرفة بكثير من العلوم الإسلامية أنه كان يقول له : يا أبا جعفر لا أدرك فرقا بين القرآن وبين غيره من الكلام ، فهذا الرجل وأمثاله من علماء المسلمين يكون من الطائفة الذين يقولون بأن الإعجاز وقع بالصرفة ، وكان بعض شيوخنا ممن له تحقق بالمعقول وتصرف في كثير من المنقول ، إذا أراد أن يكتب فقرأ فصيحة أتى لبعض تلامذته وكلفه أن ينشئها له ، وكان بعض شيوخنا ممن له التبحر في علم لغة العرب إذا أسقط من بيت الشعر كلمة أو ربع البيت ، وكان المعين بدون ما أسقط ، لا يدرك ما أسقط من ذلك ، وأين هذا في الإدراك من آخر إذا حركت له مسكنا أو سكنت له محركا في بيت أدرك ذلك بالطبع وقال إن هذا البيت مكسور ، ويدرك ذلك في أشعار العرب الفصحاء إذا كان فيه زحاف ما وإن كان جائزا في كلام العرب ، لكن يجد مثل هذا طبعه ينبو عنه ويقلق لسماعه ، ( هذا ) وإن كان لا يفهم معنى البيت لكونه حوشي اللغات أو منطويا على حوشي ، فهذه كلها من مواهب الله – تعالى – لا تؤخذ باكتساب ، لكن الاكتساب يقويها ، وليس العرب متساوين في الفصاحة ولا في إدراك المعاني ولا في نظم الشعر ، بل فيه من يكسر الوزن ومن لا ينظم ولا بيتا واحدا ومن هو مقل من النظم ، وطباعهم كطباع سائر الأمم في ذلك حتى فحول شعرائهم يتفاوتون في الفصاحة وينقح الشاعر منهم القصيدة حولا حتى يسمى قصايد الحوليات ، فهم مختلفون في ذلك ، وكذلك كان بعض الكفار حين سمع القرآن أدرك إعجازه للوقت فوفق وأسلم ، وآخر أدرك إعجازه فكفر ولج في عناده بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فنسبه تارة إلى الشعر وتارة إلى الكهانة والسحر ، وآخر لم يدرك إعجاز القرآن كتلك المرأة العربية التي قدمنا ذكرها وكحال أكثر الناس فإنهم لا يدركون إعجاز القرآن من جهة الفصاحة . فمن أدرك إعجازه فوفق وأسلم بأول سماع سمعه أبو ذر – رضي الله عنه – قرأ عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أوائل فصلت آيات فأسلم للوقت ، وخبره في إسلامه مشهور ، وممن أدرك إعجازه وكفر عنادا عتبة بن ربيعة ، وكان من عقلاء الكفار ، حتى كان يتوهم أمية بن الصلت أنه هو ، يعني عتبة ، يكون النبي المنبعث في قريش ، فلما بعث الله محمدا – صلى الله عليه وسلم – حسده عتبة وأضرابه مع علمهم بصدقه وأن ما جاء به معجز ، وكذلك الوليد بن المغيرة روي عنه أنه قال لبني مخزوم : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى ، ومع هذا الاعتراف غلب عليه الحسد والأشر حتى قال : ما حكى الله عنه ، ( إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) . وممن لم يدرك إعجازه أو أدرك وعاند وعارض مسيلمة الكذاب ، أتى بكلمات زعم أنها أوحيت إليه ، انتهت في الفهاهة والعي والغثاثة بحيث صارت هزأة للسامع ، وكذلك أبو الطيب المتنبي ، وقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن أبي الطيب الباقلاني في كتاب الانتصار في إعجاز القرآن شيئا من كلام أبي الطيب مما هو كفر ، وذكر لنا قاضي القضاة أبو الفتح محمد بن علي بن وهب القشيري أن أبا الطيب ادعى النبوة واتبعه ناس من عبس وكلب ، وأنه اختلق شيئا ادعى أنه أوحي إليه به سورا سماها العبر ، وأن شعره لا يناسبها لجودة أكثره ورداءتها كلها ، أو كلاما هذا معناه . وإنما أتينا بهذه الجملة من الكلام ليعلم أن أذهان الناس مختلفة في الإدراك على ما شاء الله – تعالى – وأعطى كل أحد ، ( ولنبين ) أن علم التفسير ليس متوقفا على علم النحو فقط كما يظنه بعض الناس ، بل أكثر أئمة العربية هم بمعزل عن التصرف في الفصاحة والتفنن في البلاغة ولذلك قلت تصانيفهم في علم التفسير ، وقل أن ترى نحويا بارعا في النظم والنثر ، كما قل أن ترى بارعا في الفصاحة يتوغل في علم النحو ، وقد رأينا من ينسب للإمامة في علم النحو وهو لا يحسن أن ينطق بأبيات من أشعار العرب فضلا عن أن يعرف مدلولها أو يتكلم على ما انطوت عليه من علم البلاغة والبيان ، فأنى لمثل هذا أن يتعاطى علم التفسير . ولله در أبي القاسم الزمخشري حيث قال في خطبة كتابه في التفسير ما نصه : إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح ، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح ، من غرائب نكت يلطف مسلكها ، ومستودعات أسرار يدق مسلكها ، علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه ، كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن ، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن ، وهما المعاني وعلم البيان ، وتمهل في ارتيادهما آونة ، وتعب في التنقير عنهما أزمنة ، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله وحرص على استيضاح معجزة رسول الله ، بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ ، جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ ، كثير المطالعات ، طويل المراجعات ، قد رجع زمانا ورجع إليه ، ورد ورد عليه ، فارسا في علم الإعراب ، مقدما في جملة الكتاب ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقادها ، يقظان النفس دراكا للمحجة وإن لطف شأنها ، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها ، لا كزا جاسيا ، ولا غليظا جافيا ، متصرفا ذا دربة بأساليب النظم والنثر ، مرتاضا غير ريض بتلقيح نبات الفكر ، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف ، وكيف ينظم ويرصف ، طالما دفع إلى مضايقه ، ووقع في مداحضه ومزالقه . انتهى كلام الزمخشري في وصف متعاطي تفسير القرآن ، وأنت ترى هذا الكلام وما احتوى عليه من الترصيف الذي يبهر بجنسه الأدباء ، ويقهر بفصاحته البلغاء ، وهو شاهد له بأهليته للنظر في تفسير القرآن ، واستخراج لطائف الفرقان .