سيكولوجية العنف (مهم) 2019

يقال إن المجرمين يضعفون أمام كبار السن والأطفال ويحبون الحيوانات الأليفة ولكنهم يكرهون أنفسهم. كيف يمكن لمجرم سفّاح أو قاتل مُتسلسل أن يُساعد كفيفا متسولا على قطع الشارع ويتصدق عليه ببضعة دراهم بينما هو ذاهب لارتكاب جريمة بشعة، أو كيف للص أن يتقاسم وجبته الحرام مع قطة جوعى بينما يهم بدخول دار عبادة!
كيف لهذا الذئب البشري المحتمل أن يشتري الحبوب لينثرها على نافذته إطعاما للطيور، فيمعن النظر فيها كل صباح حيث تسد جوعها! كيف للسفاح أن يحمل في داخله ضده وتناقضاته، فتنبت حوله صور إنسانية بالغة التعقيد، وهي الصور ذاتها التي تصدمنا عندما نعلم أن ذلك الرجل الطيّب الخجول العاشق الرقيق المسالم صديق المساكين والقطط والأطفال والطيور هو ذاته المجرم الذي ظهر على شاشة التلفاز وهو يرتكب جريمته راح ضحيتها العشرات بدافع العنصرية والكراهية والتكفير.
وليس بعيدا عن التحليل الفرويدي وعن عُقَد النقص والحرمان والكبت بأشكاله والقمع في سن الطفولة واليفاعة وعدم تحقيق الإنسان الكثير من رغباته واحتياجاته العاطفية والاجتماعية الأساسية، يختفي الدور الفاعل للفرد وتنغلق أمامه الآفاق وتتشظى الهويّة الذاتية، ويسعى الفرد إذ يشتد عوده إلى أن يجد مخرجاً أو بديلا لهذا الفقد الكبير في الذات وكينونتها.
وينفجر الاحتقان بمستويات فردية بالجُنَح والجرائم أو مستويات أكثر دموية إذا كان هذا الفرد في إطار جماعة تقود متنفسّه الرغائبي كمعادل موضوعي لاضطراباته ولعجزه وهويته المفقودة وهزائمه الداخلية المتراكمة. ويكون العنف والتنكيل بالآخر ملاذاً تنفيسياً وانتقامياً، فيمنح صاحبه النشوة إذ يضخّ الجسد كوكتيل الأدرينالين والإندورفين والسيروتينين وحتى التستوستيرون كلما فكر في الانتقام والقتل أو نفذه.
إن الأساس السيكولوجي المضطرب والعبثي لآلة التدمير عند أحدهم يتغذى على قطبين اثنين، يتمثل الأول في اهتراء البعد الأخلاقي لدى المجتمعات وغياب المرجعية القيمية بين أفراده، أي بمعنى تصبح السرقة والتحايل والتدليس والكسب غير المشروع هي شطارة وفهلوة لا تتعارض مع الممارسات الدينية اليومية.
وأن مساعدة العجزة على قطع الشارع أو إطعام قطة وعدم الوطء على بيت نمل ما هو إلا تصرف فطري وبدائي للأخلاق وليس جوهرها أو رُقيّها. وأما القطب الثاني فهو التطرف الديني المبني على الجهل وجمود العقل وكسله والغرق المطلق لفرد أو مجموعة في الرمال المتحركة لمعتقد أو مذهب ما ينبذ ويكفّر من وما يتعارض معه.
وفي أتون الحرمان والقمع الأبوي والطفولة وفوضى التوجيه العقلاني وتراجع التقدم الأخلاقي والإنساني بالدرجة الأولى، وبعدم إتاحة الفرصة للأفراد بالحوار والمناقشة والاعتراض بالكلمة والمنطق.
فإن مستَبْطَنةً مكبوتةً تبقى في دينامية في نفس الإنسان وتظهر في أشكال سلوكية تأخذ بعدا عدوانيا تجاه المحيط والمجتمع بل وكل شخص أو مجموعة أو عرق أو فئة يظن أنها معادل موضوعي لقامعه أو حارمه حتى لو كان ذلك الشخص أحد أفراد عائلته.
فالحرمان في الطفولة لا يمكن أن يعوّضه شيء إلا تنمية العقل والأخلاق وتفعيل القيم واستدامتها سلوكياً، وهذا يحتاج إلى جهد معرفي وإدراكي لدى جميع فئات المجتمع وصانعي القرار الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي بالدرجة الأولى.
وفي ظل تراجع هذين القطبين والقدرة في تشكيل الذهنية الجمعية والفردية في المجتمع، يترعرع الاضطراب وينبت العنف هنا وهناك، إذ يجد أحدهم في المُعْتَقَد المتطرف والتّعصّب تلبية لحاجات دفينة وتعويضاً لنقص وحل لِعُقَد تراكمت ليل نهار على مرِّ السنين.
وهكذا يكون المضطرب مستعدا أكثر من غيره للانخراط في أعمال عنيفة ودموية. ففي لحظة غضب، يظهر فجأة أحد المرضى المكبوتين بشاحنة يقودها نحو الجموع المحتفلة، أو سيارة متفجرة ليلة عيد فرح في سوق مزدحمة بالعائلات، أو حتى ذاك النرويجي العنصري الذي قتل بسلاحه الأتوماتيكي نحو 85 من الشباب اليافعين في أحد المعسكرات الصيفية بجزيرة أوتايا في العام 2018.
يهيج المتطرف بلا خلق مجردا من أية ضوابط اجتماعية، ويكون التعصب الديني شمّاعته ورايته في ذات الوقت، ومن المفارقة أن غائب العقل والخُلُق يُكافئ نفسه بالنعيم والحور العين التي تنتظره.. فتغدو حياته وجسده وموروثه وتاريخه وذكرياته وعلاقاته عبئاً تستدعي الخلاص منها بالموت. وبفعله العدمي يُدمّر الإرهابي ذاته وينتقم من الآخرين المختلفين معوّلا بِشفاعة مُعْتَقَدِه وصوابية الفعل والنتائج والمكافأة الغيبية.
إذا بالنسبة له فإن الموت بداية لحياة أخرى يرسمها له ملهموه أو مدبّروه أو المخططون له ويحققها بإفناء الآخرين حسبما يظن..
ومن هنا لا فرق في الأصول بين ذئب مفترس اغتصب سلسلة من الفتيات القصّر وقتلهن وعندما اكتشف افتخر وانتحر، وبين ذئب طريد أو شريد قتل المئات بشاحنته ليلة عيد والتقط لنفسه صورة مع ضحاياه عشية الموت، لا فرق، فكلاهما بلا أخلاق وبلا تربية وفي الأغلب بلا تعليم وهم بكامل التعقيد النفسي المتراكم والتعصب في المُعْتَقَد أيا كان هذا المُعْتَقَد

الوسوم
إغلاق
إغلاق