ريغان والترابي: كلاهما استهان به الخصوم .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

السودان اليوم

(فهم بعض أصدقاء الصفحة أنني كمن دافع عن الحركة الإسلامية وتبناها في كلمتي “ماذا خسر السودانيون بانحطاط الحركة الإسلامية”. وأنشر هنا مقالين لي ربما أعانا من اشتبه في مقاصد “ماذا خسر . . . ” على تفهم من أين جئت لفكرة المقال المعني. والفكرة أن نجاح الحركة الإسلامية في إصابتنا في اليسار في شبه مقتل هو وظيفة لاستهانتنا بها، وظننا أنهم محض “كيزان”. ووصفنا لهم ب”كيزان” نفسه بعض استصغارنا لهم. فهم ليسوا “كبابي” البندر بل “كيزان” الريف. وتوسعت في هذا المقاربة في كتابي “هذيان مانوي” من واقع شغل إثنوغرافي في الريف”. هذا هو المقال الثاني والأخير عن من نستهين بهم بتكلفة باهظة).

تحظي رسائل الرئيس ريغان العديدة بخط يده التي نشرت مؤخراً هنا بعناية اهل الرأي. فقد ظلت دوائر الصفوة الليبرالية تتعامل مع ريغان كرجل خلو من الفكر. وبدا للمحللين أن هذه الخطابات ربما اضطرتهم الي إعادة تقويم الرجل. وقد استرعي انتباهي أن من ضمن من راسلهم ريغان بمسؤولية طفلاً اسود من غمار الناس. ومما لفتني قول أحدهم ان ريغان استثمر في نجاحه (وقد هزم “امبراطورية الشر” الاشتراكي في أقصى الأرض) استهانة خصومه بقدراته الفكرية وعزائمه. وكنت قد توصلت الي فكرة شبيهة بهذه بعد أن بدأت أقرأ مؤلفات الدكتور الترابي بصورة جادة في اوائل التسعينات. وقد شوقني الي قراءتها كتابه “الحركة الاسلامية: المنهج والكسب”. فقد كشف لي عن سر مهارته في بناء حركة اجتماعية بغض النظر بما ذكرني بوثيقة أستاذنا عبد الخالق محجوب “قضايا ما بعد المؤتمر الرابع 1968”. وكلاهما صبور في التحليل محيط في النظر.

فالترابي بالفعل واحد من أولئك الذين لم يعطه خصومه حق قدره. فقد منعت كثرة التباكي والشكوى من ميكافيليته وثعلبيته وأشياء اخري اولئك الخصوم من النفاذ الي معدن الرجل وطاقته على إدارة التغيير. وقد نبه الي سوء تقدير خصوم الترابي للرجل إم . اى . ياب، الأكاديمي الإنجليزي، في عرضه لبعض ما كتب حوله مما طفح بالذم والتهوين. ونصح ياب بعدم الإسراف في الاستهانة بالرجل. وحال هذا التهوين بالترابي دون أن يصل خصومه “الي حكم منصف ودقيق على مفكر شجاع البادرة أصيل الخاطرة ذي قدرة مرموقة على إحداث التغيير.” أو كما قال. وعلى امتلاء خصومه بالغيظ والشكوى منه فقد نفذ الرجل تقريباً الي كل ما اراد. ولم يقدر عليه الا أحبابه الذين وضعوه في السجن بعد خلافهم معه لأنهم عرفوا منه شدة التصميم على ملاحقة الهدف واحرازه.

كنت قريباً من أستاذنا المرحوم عبد الخالق محجوب يوم مشهد الصلاة علي المرحوم الشهيد أحمد القرشي طه في ميدان عبد المنعم. ووقف الترابي خطيباً وسأل الناس الحاشدة أن يتفرقوا بعد أن صلوا لله وكبروا للوطن. ولم يكن هذا خط الشيوعيين بالطبع. فقد كنا نريد للحشد ان يواصل التظاهرة. فقال لي عبد الخالق: “الزول الدقنو متل دقن التيس دا منو؟” وقد جدد الأستاذ الطيب صالح هذا السؤال بعد نحو ربع قرن في 1989 قائلاً: “من أين جاء هؤلاء الناس؟” وجعل المعارضون من هذا السؤال الاستنكاري ثقافة سياسية. وأخذ السؤال يتردد في دهاليز المعارضة كالخط السياسي الفصل.

وبعد نحو عام من سؤال أستاذنا عبدا لخالق عمن هو الترابي نجح الرجل في حل حزبه الشيوعي. ويعتقد الكثيرون أن حله للحزب الشيوعي هي بداية هوس الرجل الديني. ولكن الأمر بخلاف ذلك. فقد كان الترابي فرغ من الدفاع عن رسالته الأكاديمية في باريس قبل نحو نصف عام من وقفته بدقنه الموصفة من أستاذنا. وكان موضوعها تجارب دول الغرب في تحصين نظامهم الديمقراطي من حركة سياسية لا تؤمن بالديمقراطية أصلاً. وغالباً ما كانت تلك الحركة المقصودة هي الشيوعية التي اعتقد خصومها أن الانتخابات التي ستفوز بها ستكون آخر انتخابات وبعدها ديكتاتورية البروليتاريا حتى تسلمها عيسى. وكان حل الحزب الشيوعي على هدي الليبرالية هي أول انجازات الترابي ودكتوراته لسه بقشرتها. ومن نكد الدنيا أن جماعة من المعارضين للإنقاذ تبادلت على الانترنت قبل سنوات رسائل مفادها أن الترابي غشاش، وأنه لم يكتب رسالة، ولم ينل درجة الدكتوراه. فأنظر غفلة خصوم الرجل عن عزائمه ولجاجتهم. وإدمان الخصوم شتيمته هو تنصل عن الاحاطة بفكر الرجل وعارضته السياسية.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق