ذهبٌ لا بَريقَ لَهُ.. بقلم عبد اللطيف البوني

السودان اليوم:

(1)
قبيل انفصال الجنوب بساعاتٍ، قالوا لنا إنّ الاقتصاد السُّوداني سَوف يمضي بذات الرخاء، وإنّ الدولار الأمريكي سَوف يمضي على ذات السعر اثنين جنيه ونصف.. فليذهب الجنوب ببتروله ونحن (القَشّة ما بتعتر لينا)، قالها مُحافظ البنك المركزي يومها وبعضمة لسانه وفي ندوة مشهودة.. ذهب الناس مَذاهب شَتّى في فهم كلام الرجل، بعضهم ظنّ أنّ هُناك مَخدّة من مليارات الدولارات ينوم عليها البنك المركزي تَمّ توفيرها من مَداخيل النّفط، وبعضهم قال إنّ ما تبقى للسُّودان من بترولٍ بالإضافة لأُجرة خط الأنابيب ودولارات جبر الضرر التي أقرّتها نيفاشا سوف تشيل البلد.. وبالفعل في الأيام التي أعقبت الانفصال ظَلّت الأمور مُتماسكة ليس لأيِّ سَبَبٍ من الأسباب التي ذكرت أعلاه، إنّما بسبب التّعدين التّقليدي للذهب ذلك النّشاط الذي تَسَلّلَ خِلسةً للاقتصاد السُّوداني في أواخر أيّام الوحدة قام به دَهّابة مُغامرون دُونَ أيِّ تدخلٍ من الدولة.. ذهبٌ اكتشفه الأهالي وعدّنه الأهالي وصدّره الأهالي وكبت كل حصائله في البنك المركزي، لأنّ هؤلاء الدّهّابة لا حسابات لهم في البنوك الأوروبيّة فكان الذهب كأنّه بديلٌ قيّضه الله لهذا الشعب.
(2)
مع انخفاض أسعار النفط ثُمّ حرب الجنوب – الجنوب، لفت الدّهّابة نظر الدولة بأنّه لا خِيارَ لها سوى الذهب، وبالفعل كانت الكميات المطمورة منه أكبر مما كانت تتصوّر (بعد جنوب أفريقيا مُباشرةً)، فهلّلت الحكومة وكبّرت وقالت للبترول في ستين! وهنا تحرّك المُعادون للحكومة وعلى رأسهم مجموعة الأزمات الدولية وقالوا إنّ الذهب سوف تستخدمه الحكومة في قتل مُواطنيها، وتحرّكوا داخل الأمم المتحدة لاستصدار قرارٍ من مجلس الأمن بوقف تَصدير الذهب السّوداني، ولكن حَدَثَ ما أثناهم عن فكرتهم هذه، إذ قبّلت ذات الجماعة التي أرتوت من النّفط على الذهب وهاك يا شركات وشراكات أجنبية وامتيازات وتمويلات فلحّقوا التعدين الأهلي الذي كانت تكب حصائله في البنك المركزي أمّات طه وهَاك يا تهريب وعبر صالة كبار الزُّوّار، قائلين للبنك المركزي (يسمك)! وهنا تنفّس الأعداء الصعداء فتأكّد لهم أنّ القوم في السُّودان يخربون بُيُوتهم بأيديهم فأيقنوا أنّ الذهب لن يصب في المَجرى الرّسمي للاقتصاد السُّوداني، لا بل سوف يزيد التضخم وسَوف يسهم في إضعاف الجنيه السُّوداني ويرفع وتيرة الفساد وصالة كبار الزُّوّار خير شاهد وقد كان..!
(3)
عندما بلغت الروح الحلقوم ورفع شعار إصلاح الدولة، كان لا بُدّ أن تكون البداية بالاقتصاد وفي الاقتصاد بالذهب، فكانت جَمَاعات المصلحة منه بالمرصاد لأيِّ إصلاحٍ، فصدرت قرارات مُرتجلة ومُبرجلة وقبل الأخير منها اقتضى أن يحتكر بنك السُّودان تصدير الذهب فكانت طامة كُبرى على الذهب والاقتصاد، إذ زَادَ التهريب وقلّت حصائله.
وبالأمس قرّر بنك السودان الخُرُوج من تجارة الذهب وإسناد الأمر لأربع شركات حتى كتابة هذه السطور لم تُعلن أسماء هذه الشركات الأربع (المحظوظة)، ولا يعرف أحدٌ ما هي المَعايير التي تَمّ بها الاختيار وهل هي تابعةٌ للدولة أم للقطاع الخَاص أم شراكة بينهما؟ والأسئلة تترى ويا خبر بفلوس باكر ببلاش! فسودان الجن هذا لن يستخبئ فيه شيءٌ، لكن الخَوْف أن تحدث المَعرفة بعد خَراب سوبا ومع ذلك لا بُدّ من القول إنّ خُرُوج بنك من المُتاجرة بالذهب والاكتفاء بالدور الرقابي والتشريعي محمدة.
ثانياً الحكم المُبكِّر على قرار الأربعة ليس مُنصفاً، فينبغي أن تعرف تفاصيل القرار والأهم إعطائه الفُرصة.. كما أنّه لا تثريب على المُباغتة ومُفاجأة الناس، فالأمور المالية أحياناً تقتضي الخفية والتخفية إذا جَازَ التعبير.. فخلُّونا نقول اللهم أجعله خيراً و(النشوف آخرتا).. ولكن إلى حين ذلك لا شَيءٌ يمنعنا من القول إنّ نعمة الذهب بدّلها الفساد إلى نقمةٍ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق