الامانة

يمر الإنسان خلال حياته في مواقف شتى، ينبئ من خلالها عما في داخله من مكنونات، وما تراكم فيه عبر سنين حياته الطوال. في هذه المواقف يتعامل الإنسان مع غيره من الناس الذين قد يمنحونه ثقتهم وإخلاصهم ومشاعرهم وعطفهم وحنانهم وحبهم ومودتهم وصدقهم وقد يمنحونه أيضاً كل ما هو شرير من كذب وخيانة وتزوير واستهزاء وتثبيط للمعنويات وتدمير وسرقة وربما القتل. لذلك فالضامن الوحيد للإنسان أثناء مواجهته لهذه المواقف هو أخلاقه، التي تعد المعيار الذي يُلزم الإنسان الصراط الذي انتهجه في حياته. وهذه الأخلاق تُكتسب عبر حياة الإنسان وخصوصاً في السنين الأولى من حياته، وتكتسب أيضاً باتخاذ الإنسان القدوة الحسنة له، وتكتسب مما شاهده من مواقف وأحوال مرت عليه، فقد يكون الإنسان ذو أخلاقٍ رفيعة، ولكنها غير متأصلة في نفسه، فتراه يبيعها عند أول شهوة، وربما أيضاً يحارب من أجل إبقائها داخله ولكن ما رآه من ظلم وضياع للحقوق وتشويه للحقائق بالكذب والتزوير وخيانة وعدم تكافؤ الفرص والفساد المستشري في مجتمعه، يجعله يفكر ألف مرة قبل الإبقاء عليها كما هي. أما الإنسان النظيف ذو السريرة الصافية البيضاء الإلهية، فإنه لا يتأثر بما حوله من ظلم وعدوان أو أخلاق رديئة ولا يتأثر بأي شهوة تعترض حياته مهما كانت، فيبقى محافظاً على أخلاقه مستقيماً مهما حصل له ومهما واجه ومهما بغى الناس عليه وظلموه.

تتنوع الأخلاق التي يكتسبها الإنسان وتتعدد، بحسب بيئته المحيطه، ولكن الثابت الذي لا يتغير هو أن الأخلاق بطبعها متصلة مع بعضها وعامة، فلا يصح أن نصف شخصٌ ما بأنه صادق وفي نفس الوقت خائن، هو في حقيقة الأمر كاذب وخائن، ولا يصح أن نصف ظالم بأنه أمين، لأن الظالم لم يصن الأمانة التي أوكلت إليه وهي أمانة الحفاظ على حقوق من يلي أمرهم ويقوم على احتياجاتهم، فهو بظلمهم قد خان الأمانة الموكلة إليه. فالأمانة هي الحفاظ على كل شئ يخص الغير. وبرأيي فالتراث العربي لم يعطِ هذه الصفة حقَّها فلقد تناولها من زاوية واحدة فقط وهي زاوية الحفاظ على ممتلكات الغير عندما يضعونها بين يدي المؤتمن، وهذا جزء من الحقيقة، فالحاكم يحب أن يكون أميناً على مصالح شعبه، والقاضي يجب أن يكون أميناً على الأسرار التي بين يديه وأميناً أيضاً على أخلاقه هو، فإن فرط في أخلاقه ضاعت النزاهة وضاعت الحقوق والمهندس يجب أن يكون أميناً على عمله فيراجع حساباته ألف مرة قبل التنفيذ، كل شخص يجب أن يكون أمينا في موقعه، ولكن الأهم هو أن يكون الشخص أميناً على ممتلكاته هو وأهم هذه الممتلكات هي أخلاقه.

الوسوم
إغلاق
إغلاق