اجابة سؤال لماد اتخد ابو بكر رفيفا له في رحلة

اتخذ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه رفيقا في الهجرة النبوية الشريفة لصدقه وصحبته وقربه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هنا نعرف مغزى اختيار الصاحب والصديق.
أبو بكر الصديق الصاحب في الهجرة
وقد وردت عدَّة روايات ثمينة تُوَضِّح لنا ترتيب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمر، وكيف تغلَّب على هذه المشكلات، وفي هذه الروايات من الدروس والعبر ما لا يمكن إحصاؤه.
قَالَتْ عائشة رضي الله عنها: “فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ[2] قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا[3] فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأَبِي بَكْرٍ: “أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ”. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: “فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ”. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “نَعَمْ”. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “بِالثَّمَنِ”. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ[4]، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ[5]، فَقَطَعَتْ أسماء بنت أبي بكر قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا[6] فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.
قَالَتْ: ثمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عبد الله بن أبي بكر، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ ثَقِفٌ[7] لَقِنٌ[8] فَيُدْلِجُ[9] مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ[10] بِهِ إِلاَّ وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً[11] مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا[12] عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ[13]، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا[14]، حَتَّى يَنْعِقَ[15] بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ[16] يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رجلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيَا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا[17] فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ”[18].

وفي رواية: “قَالَ أبو بكر رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ. فَأَعْطَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِحْدَاهُمَا -وَهِيَ الْجَدْعَاءُ[19]- فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ وَهُوَ بِثَوْرٍ فَتَوَارَيَا فِيهِ، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غلامًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخُو عَائِشَةَ لأُمِّهَا[20]، وَكَانَتْ لأَبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو عَلَيْهِمْ وَيُصْبِحُ، فَيَدَّلِجُ إِلَيْهِمَا ثمَّ يَسْرَحُ فَلاَ يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَ[21] خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ[22] حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بئر معونة”[23].
وعَنْ عروة بن الزبير رحمه الله قَالَ: “لَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، يَعْنِي: رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي أُمِرُوا فِيهَا بِالْقِتَالِ[24]، اسْتَأْذَنَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَكُنْ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَبَسَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَهُ: “أَنْظِرْنِي[25] فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي يُؤْذَنُ لِي بِالْخُرُوجِ”. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدِ اشْتَرَى رَاحِلَتَيْنِ يَعِدُّهُمَا لِلْخُرُوجِ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اسْتَنْظَرَهُ[26] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي يَرْجُو مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالْخُرُوجِ، حَبَسَهُمَا وَعَلَفَهُمَا انْتِظَارَ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَسْمَنَهُمَا. فَلَمَّا حَبَسَ عَلَيْهِ خُرُوجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: “نَعَمْ”. فَانْتَظَرَهُ، فَمَكَثَ بِذَلِكَ.
فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ ظُهْرًا فِي بَيْتِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلاَّ ابْنَتَاهُ: عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ، إِذَا هُمْ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ[27]، وَكَانَ لا يُخْطِئُهُ يومًا أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ ظُهْرًا، قَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا نَبِيَّ اللهِ إِلاَّ أَمْرٌ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ، قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: “أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ”. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْنَا عَيْنٌ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ. قَالَ: “إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَة”. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، الصَّحَابَةَ الصَّحَابَةَ. قَالَ: “الصَّحَابَةَ”! قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُذْ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ. وَهُمَا الرَّاحِلَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يَعْلِفُهُمَا أَبُو بَكْرٍ يُعِدُّهُمَا لِلْخُرُوجِ إِذَا أُذِنَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُ إِحْدَى الرَّاحِلَتَيْنِ، فَقَالَ: خُذْهَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَارْتَحِلْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق